ـ [ابن المهلهل] ــــــــ [30 - 01 - 2011, 06:47 ص] ـ
د. عبد الرحمن الحمين!
شكرًا لك أيها الموفق
كنتُ في صِبَايَ أركبُ مع أحد أخْوَالي في سيَّارتِهِ، فأراه لا يَفْتَأ يُشَغِّل أشرطةً شِعريةً يُلقيها رَجُلٌ فَصِيحُ النُّطقِ، حُلوُ النَّغمةِ، على طَريقةٍ نجديَّةٍ مُطَوَّرةٍ، فمَرَّةً يُنشدُ أشْعَارًا في ذَمِّ الدُّنيا والملاهِي، ومرَّةً يتلو شِعْرًا لا يُفهم (علمتُ لما كبرتُ أنَّه من الشعر الجاهلي) .
كَبرتُ وبدأتُ الاهتمامَ بالأدبِ العَرَبيِّ أيامَ الثَّانوية، بالاطِّلاعِ عَلَى أشعار الجَاهِلِيَّةِ وصّدْرِ الإسْلام وشعراءِ الحِكْمَةِ وعُتَاةِ البَيَانِ، فخَطَرَ لي أنْ أُراجِعَ تلكَ الأشرطةَ القديمةَ التي سمعتُها في الصِّبَا ..
لما وَقَفتُ عليها بعد بحثٍ وسُؤَالٍ طَويلٍ، رَأَيتُ فيهَا المبتَغَى والمقْصُود، فهي - بحقٍّ - نَادِرَةٌ لم يُسبقْ إليها، وفيها اختياراتٌ عُلْيَا من الشِّعرِ الجَاهِلِيِّ وشعرِ أبي العَتَاهِيةِ وأشعارٍ متفرقةٍ ... كانتْ تلك أشرطةُ د. عبدِ الرَّحمنِ الحميِّن سَدَّدَهُ الله وَوَفَّقَه.
فقد تميَّز - بارك الله فيه - بصوتٍ جَميلٍ، وقراءةٍ وَاضِحَةٍ جِدًا، وسَلامةٍ في المَخَارجِ، فلا يُعييك سمَاعُ الكَلِمَة الصَّعبَة واللَّفظَةِ الغَرِيبةِ، مع إِجَادَةِ القراءةِ، وإتْقَانِ اللُّغَةِ في الجُمْلَةِ، وفوقَ ذلك: جَودةُ اختياره لما يَقْرَأهُ، فهو يَنْتَقي أفْضَلَ الشِّعرِ وأجودَه وأمتَعه وأفيدَه. وقَدْ يُعَاني المستمعُ من ضَعْفِ التَّسْجِيل -أحيانًا- بسببِ تَوَاردِ النَّسْخِ على الشَّريطِ عنْدَ تَسْجِيلاتٍ مختلفة!، ومما يُميِّزُ عملَه: سَلَفيَّتُه وتحفُّظُه، فهو يحذف الأبياتِ الشركيَّة أو المُخالِفةَ للهديِ النَّبَوِيِّ من القصيدة كما في بَعضِ أشْعَارِ شَوْقِي وغيرِه.
فمِمَّا أخرجَهُ مثلًا: المعلَّقاتُ السَّبْعُ، ثم زيادةُ المعلَّقَاتِ (الثلاث الباقية) ، ومَا مِنْ شَكٍّ أنَّ المعلقات هي أرفعُ الشِّعرِ الجَاهلي وأصحُّه في الجملة، وكذلك أخرج - بارك الله فيه - كثيرًا من المخْتَارات من الشِّعرِ الجَاهِلِيِّ كـ: قَصِيدَةِ كَعْبِ بن سَعْدٍ الغَنَوِيِّ في رِثَاءِ أخيه أبي المِغْوَارِ والتي مطلعُها:
تَقُولُ سُلَيمَى مَا لِجِسْمِكَ شَاحِبًَا كَأنَّكَ يحميكَ الشَّرَابَ طَبيبُ
وقَصيدةِ ذِي الأصْبعِ العدواني وهي من مختارات المفضَّلِ في مُفَضليَّاتِه، ومطلعُها:
يا مَنْ لِقَلْبٍ شَدِيدِ الْهَمِّ مَحْزُونِ ... أَمْسَى تَذَكَّرَ رَيَّا أُمَّ هَارُون
أَمْسَى تَذكَّرَها مِنْ بَعْدِ ما شَحَطَتْ ... والدَّهْرُ ذُو غِلْظَةٍ حِينًا وذُو لِينِ
فإِنْ يَكُنْ حُبُّهَا أَمْسَى لَنَا شَجَنًا ... وأَصْبَحَ الْوَأيُ مِنها لا يُؤَاتِيني
فقد غَنِينَا وشَمْلُ الدَّهْرِ يَجْمَعُنَا ... أُطِيعُ رَيَّا وريَّا لا تُعَاصِينِي
ومنها: قصيدةُ حَسَّانِ بن ثابتٍ - رضي الله عنه - التي يقول فيها:
عفتْ ذاتُ الأصابعِ فالجِواءُ .... إلى عذراءَ منزلها خلاءُ
دِيَارٌ مِنْ بَني الحَسْحَاسِ قَفْرٌ ... تعفيها الروامسُ والسماءُ
والقصيدة الأخرى التي يقول فيها:
عرفتَ ديارَ زينبَ بالكثيبِ ... كخطّ الوحيِ في الرقّ القشيب
تعاورها الرياحُ وكلُّ جونٍ ... مِنَ الوَسْمِيّ مُنْهَمِرٍ سَكُوبِ
وقرأ أيضًا قصيدةَ كَعبِ بن زُهيرٍ (البُرْدة) ، وقَصَيدةَ مَالكِ بن الرَّيْبِ المَازِنيِّ التَّمِْيمِي وهي من القصائدِ الجِيَادِ اللاحقةِ بالمرتبةِ العُلْيَا. ومُخْتَارَاتٍ من ديوان الشافعي، وقصيدةَ فتح عَمُّوريَّة لأبي تمامٍ ومن القصائد أيضًا: مقصورةُ ابنِ دُرَيدٍ، وقَصيدةُ التِّهَاميِّ في رِثَاءِ ابنِهِ، ولاميةُ ابن الوَرْدِيِّ، ولاميةُ الصَّفَدِيِّ، ونُونيَّة ابنِ القيِّم فيما بَلََغَني، ومِيْمِيتُه، ولَعَلَّ أشهر ما أخرجَه: ديوانُ شعرِ الزُّهدِ والحِكْمَةِ لأبي العتاهية (في أربعة أشرطة) انتقى من أشْعَارِ أبي العَتَاهِية أجمَلَها وأحسَنَها.
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)