ـ [المعقل العراقي] ــــــــ [26 - 01 - 2009, 01:36 م] ـ
البسملة1
دعوة الأمة للاهتمام بالممكّنات الحضارية
أ. د. سالم آل عبد الرحمن والإمام البغدادي الحَرْبي
ووقفة موجزة مع المجلدات المفقودة
قال أ. د. سالم آل عبد الرحمن ضمن جملة إشاراته عن أهم كتب تفسير غريب الحديث وتأويل مختلفه:
ومما وصلنا في هذا التراث اللغوي الإسلامي الكبير واحدة من مجلدات كتاب:"غريب الحديث"للإمام أبي اسحق الحربي إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير البغدادي الحَرْبي (المتوفى: 285هـ) ،بعد أن فقدنا المجلدات الأربع له، ولقد حاولت جاهدًا - مع قلة حيلتي وضعفي - بالبحث والسؤال عنها وفي كثير من المكتبات العامة والخاصة وعلى مدى سنوات ولم أوفق بشئ فتوجهت لدراسة ما كتبه ابن الأثير وغيره مع تمحيص بياناته لأخرج بصورة عنه لأضعها بين أيدي طلبة العلم رعاهم الله تعالى.
ومن هنا أحيلكم لما كتبت عنه سابقًا - وكررته مرارًا وأمام الكثير من النخب العلمية - من ضرورة الاهتمام المركّز بمتابعة وتحقيق وإخراج أعمال أئمة العلم ونظاره في العلوم الإسلامية وما توجهت له اجتهاداتهم الفكرية في العلوم المعززة لها باللغة وغير ذلك أيضًا، مما جادت به قرائح جهابذة الإسلام وربانيّ بناء حضارته الماضية، مع بذل كل الجهود الممكنة والمعززة لاستخلاص واستحضار هذه الممكّنات الحضارية وعلى كافة المستويات العالمية. وهذا لعمري يشمل عندنا أعمال النخب العلمية المتميزة في هذا العصر من الذين لم يتمكنوا من نشر مؤلفاتهم، ليعم نفعها على الأمة بدلًا من أن تبقى نوادر مخطوطاتهم وهي حبيسة الرفوف أو الحقائب مما يؤدي بالتالي مع التقادم لفقدانها وحرمان الأجيال المتطلعة للعلم وفضائله منها، وهذا سيؤخر - دون شك- محاولات نظّار التجديد لتقعيد ما تتطلبه الهبات الحضارية في أركان بناء حضارة المجد الشاملة والتكاملية القادمة - بلا ريب إن شاء الله تعالى- لهذه الأمة، كما سيؤخر استنبات قواعد التمكين فيها لحين، وهذا لا يقبله أي حريص ومثابر من المتشوقين لملحمة الفجر القادم.
وقال رعاه الله: ولعل وصف ابن الأثير في كتابه"النهاية"لكتاب الحربي يعد خير ما بقي بين أيدينا عنه. قال ابن الأثير:"وهو كتاب ٌ كبير ذو مجلدات عدة، جمع فيه، وبسط القول، وشرح واستقصى الأحاديث بطرق أسانيدها، وأطال بذكر متونها وألفاظها، فطال لذلك كتابه، وإن كان كثير الفوائد، جمّ المنافع، فإن الرجل كان إمامًا حافظًا متقنًا عارفًا بالفقه والحديث واللغة والأدب -رحمة الله عليه"-النهاية 1/ 5.
ومما يظهر أن الكتاب جاء مبوبًا على المساند، وتلك طريقة المحدثين التي تقوم على جمع الأحاديث المرويّة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من طريق صحابي كابن عبّاس وابن مسعود، وأبي هريرة، في موضع واحد تحت عنوان"حديث ابن عباس"،أو"حديث ابن مسعود"،أو"مسند ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يجمع فيه بعض فتاويهم وأقوالهم."
وكان منهج الإمام الحربي في الشرح داخل كل مسند يعتمد منهج التقليبات الذي أخذ به كتاب"العين"للخليل ب أحمد الفراهيدي، وذلك المنهج كان يقوم على تصنيف الحروف حسب مخرجها من الحلق، فأوّل الحروف فيه هي حروف الحلق ثم الأقرب فالأقرب منه، وتوضع الكلمة في أول باب يعترضها وفيها حرفه، ثم تقلب الكلمة فيما بعد ويبين المهمل من تقليبها والمستعمل، وفي ذلك يقول ابن الأثير:"لم يكن فيها -أي كتب غريب الحديث- كتاب صنف مرتبًا ومقفى يرجع الإنسان عند طلب الحديث إليه إلا كتاب الحربي" (النهاية 1/ 6) .
ومن خلال النظر تبين لنا أن الإمام الحربي كان قد تعرض لمسائل لغوية ونحوية، كما تعرض لنقل آراء الفقهاء والمفسرين ولهجات العرب ولغاتها، وقراءة القراء وشذوذها، وما ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) من آثار وأخبار، وعن العرب من أقوال وأمثال، كما سرد كثيرًا من القصص والحكايات، وساق كثيرًا من الطرف والنوادر، وذكر عددًا كبيرًا من المواضع والبلدان والديار والمياه والجبال، والشّعاب والوديان، وذكر القبائل وأنسابها وأخبارها، فجاء كتابه موسوعة دينية ولغوية وأدبية كاملة (وقفات مع ما ورد في كتب غريب الحديث وتأويل مختلفه -وهي دراسات غير
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)