فهرس الكتاب

الصفحة 5178 من 12621

ـ [أبو حفص] ــــــــ [17 - 12 - 2010, 10:28 م] ـ

اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْمَدُكَ عَلَى مَا هَدَيْتَ، وَأشْكُرُكَ عَلَى جَزِيلِ مَا أسْدَيْتَ، وَأسْتَعِينُكَ عَلَى رِعَايَةِ مَا أسْبَغْتَ مِنَ النِّعَمِ، وَأسْتَهْدِيكَ الشُّكْرَ عَلَى مَا كَفَيْتَ مِنَ النِّقَمِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ عَثَراتِ اللِّسَانِ، وَغَفَلاَتِ الْجَنَانِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَدَرَاتِ الزَّمَانِ.

اللَّهُمَّ إِنِّي أسْأَلُكَ اللُّطْفَ فِيما قَضَيْتَ، وَالمعُونَةَ عَلَى مَا أمْضَيْتَ، وَأسْتَغْفِرُكَ مِنْ قَوْلٍ يَعْقُبُهُ النَّدَمُ، أوْ فِعْلٍ تَزِلُّ بِهِ الْقَدَمُ، فَأَنْتَ الثِّقَةُ لِمنْ تَوَكَّلَ عَلَيْكَ، وَالْعِصْمَةُ لِمَنْ فَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَيْكَ.

وأشهَدُ أنّ محمّدًا رسولكَ الأمينُ، وشفيعكَ الضمينُ، الذي بعثْتَهُ بالنورِ الباهرِ، والبرهانِ القاهرِ، فقامَ بالحقّ صادعًا، وللضلالةِ رادعًا، حتى ثبتَ الدينُ، وَوَضَحَ اليقينُ.

اللَّهُمَّ فَصَلِّ عليهِ ما أشرقَ النّجمُ، وأوْرَقَ الشجرُ والنجمُ*، وعلى آله بُدُورِ المحافِلِ، وأصحابهِ صدورِ الجحافلِ؛ صلاةً يهتزّ لها الفلَكُ، ويتَنَزَّلُ برضوانِها الملَكُ، واحشُرنا في زُمْرَتِهمْ معَ القومِ الفائزينَ، ولا تجعلْنا من المغضوبِ عليْهمْ ولا الضالِّينَ، آمين.

وبعدُ؛ فإنّ للشِّعْرِ لُمعةٌ خيالِيَّةٌ يتألَّقُ وَمِيضُها في سَماوةِ الفِكْرِ، فتنْبَعِثُ أشِعَّتُها إلى صَحيفَةِ القلبِ، فيفيض بلألائِها نورًا يتّصلُ خَيطُه بِأَسَلَةِ [أي: طَرَف] اللِّسَانِ، فينفثُ بألوانٍ مِنَ الحِكْمَةِ.

وخير الكلام ما ائتَلَفَت ألْفاظه، وائتَلَقَتْ معَانِيه، وكان قريبَ المأْخَذِ، بعيدَ المرمَى، سَليمًا مِن وَصْمَة التكَلُّف، بريئًا من عَشْوَةِ التَعَسُّفِ، غنِيًَّا عن مراجَعَةِ الفكرةِ؛ هذه صفة الشِّعْرِ الجيِّدِ؛ فَمَن آتاهُ اللهُ مِنهُ حَظًّا، وكان كريم الشمائلِ، طاهرَ النَّفْسِ؛ فقد مَلَك أعِنَّة القلوب، ونالَ مَوَدّة النّفوس، وصار بين قومِهِ كالغُرَّةِ في الجواد الأدْهَم، والبدرِ في الظلامِ الأيْهَم [أي: الحالِك] .

ولَو لَمْ يَكُنْ مِن حَسَناتِ الشِّعْرِ الحكيم إلا تهذيب النفوس وتدريبَ الأفهام وتنبيه الخواطر إلى مكارم الأخلاق، لكان قد بَلَغَ الغاية التي ليس ورءها لِذِي رغبَةٍ مسْرَح، وارْتَبَأَ [أي: عَلا] الصَّهوَةَ التي ليس دونها لذي همّةٍ مطمَح.

ومِن عجائبهِ تنافس الناس فيه، وتغايُر طباعهم عليه، وصغو الأسماع إليه، كأنّما هو مخلوقٌ مِن كلّ نفْسٍ، أو مطبوعٌ من كل قلبٍ؛ فإنّكَ ترى الأمم على اختلاف ألسنتهم، وتباين اخلاقهم وتعدد مشاربهم؛ لهجين به، عاكفين عليه، لا يخلو منه جيل دون جيل، ولا يختَصُّ به قبيل دون قبيل، ولا غروَ؛ فإنّه معرض الصفات، ومتجر الكمالات.

ولقد سمع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قول زهير بن ابي سُلْمى:

فإن الحق مقطعه ثلاث ــــــــــــــــــــــــ يمين أو نفار أو جلاء

فجَعَلَ يَعْجَبُ من معرفته بمقاطع الحكمة وتفصيلها.

وللشعر رتبه لا يجهلها إلا مَن جَفَا طبْعُه، ونَبَا عن قَبُول الحكمة سَمْعُه؛ فهو حلْيَةٌ يزدان بجمالها العاطل، وعوذَةٌ لا يتَطَرَّقُ إليْها الباطل.

[من مقدمة الشاعر المُلْهَم"محمود سامي البارودي"لـ «ديوانه» (ص33 - 34) ، طبعة دار العَودة]

أيها الأعضاء والزوار الكرام:

لقد آثرتُ أنْ أُخَصِّصَ صفحة في هذا الملتقى العامر؛ أجْمَعُ فيها متَفَرِّقات من جميلِ أبياتِ الحكمة لهذا الشاعرِ المُلْهَم الذي امتلأ شِعْره حكمةً مع جمالِ أسلوبٍ وسلاسةِ كلماتٍ وعذوبةِ ألفاظٍ وقوَّةِ مَعْنَى.

وسَأَتَعَهّدُ هذه الصفحة بالتجديدَ -قدْرَ المستطاع-، سائلًا الله أن ينفعنا بذلِك، ويقينا المهالِك.

مَنْ طلَبَ العِزَّ بِلا آلة ٍ --- أَدْرَكَهُ الذُّلُّ مَكانَ الظَّفَرْ

فَاصْبِرْ عَلَى الْمَكْرُوهِ تَظْفَرْ بِما --- شِئْتَ؛ فَقَدْ حَازَ الْمُنَى مَنْ صَبَرْ

وَقِفْ إِذَا مَا عَرَضَتْ شُبْهَة ٌ --- فَاللَّبْثُ خيرٌ مِن ركوبِ الغرَرْ

ولا تَقُولنَّ لشئٍ مَضَى: --- يَا لَيْتَهُ دَامَ، وَخُذْ مَا حَضَرْ

(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت