فهرس الكتاب

الصفحة 2766 من 12621

ـ [أبو عبد المعز] ــــــــ [14 - 11 - 2009, 11:13 م] ـ

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،

{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} النور35

نريد أولا، قبل تأمل هذا التمثيل، أن نقرر قاعدتين:

أولا-يجب حمل القرآن على أسمى محمل في سلم البلاغة ..

ثانيا-يجب إرجاع البلاغة نفسها إلى سجية القول، لتكون السليقة والطبع والتذوق هي المعايير والضوابط، بدل التجريد الذهني والضبط المنطقي ..

فالتشبيه، وهو موضوع تأملنا هنا، ليس إلا وجها بيانيا بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي، فالسليقة السليمة تقرر أن التشبيه آلية في الكلام تقصد، أول ما تقصد، تقريب المعنى إلى ذهن المتلقي ووجدانه: فلا يتصور الانتقال من المشبه إلى المشبه به إلا في صور من قبيل الانتقال من الذاتي إلى الموضوعي، أو من الغريب إلى المألوف، أو من الذهني إلى الحسي، أو من المجهول إلى المعلوم ...

هب أنك تريد أن تروي لصاحبك رؤيا رأيتها أمس، فستجد نفسك عاجزا عن التخلص من التشبيه، وكأنه قدر في الكلام لا محيد منه، ألست تستهل كلامك بشيء مثل:"رأيت في المنام كأنني ..."

حاول أن تصف لصاحبك مشهدا لم يره قط، فإما أن تسكت أو تستعين بالتشبيه!!

هذه هي وظيفة التشبيه في كلام الناس السوي، وفي القرآن المبين ..

لكن الترف في الكلام كان وراء إحداث وظائف مريبة للتشبيه، من قبيل ما سموه"تحسين المشبه وتقبيحه"واستحدثوا نوعا في التشبيه سموه"التشبيه المقلوب"وأحرى أن يسمى"التشبيه الممسوخ"فلا ترى السليقة إلا نافرة من تشبيه المعهود بالمجهول، أو الواضح بالخفي، أو الحسي بالمعنوي، أو الأكثر بالأقل ... واحتفاء بعض المتأخرين من المتأدبين بهذا"المقلوب"يشبه ابتهاج الناس في المهرجان بالبهلوان الذي يسير على يديه عوض قدميه!! صحيح إن السير على اليدين قد يثير الإعجاب لكنه إعجاب وقتي عند طائفة من الناس يسلكونه في باب"كيف يستطيعون فعل ذلك"وإلا فعلمهم راسخ أن هذا المشي مخالف للفطرة، لا جد فيه، ولا يباح منه إلا قسط في اللعب لا غير!!

نحن، بالتأكيد، لا نقصد أن نمنع"التشبيه"من أن تكون من جملة وظائفه الزخرفة وتزيين الأشياء أو استقباحها، ولا ندعي كذلك أن يكون"التشبيه المقلوب"خطأ بلاغيا، بل نقصد أنه عبث إذا كان يراد منه البيان بمعنى الكلمة، أما إن كان المراد غير البيان فلا اعتراض حينئذ .... ف"تشبيه الصباح بجبين الخليفة"،مثلا، لغو لا يفيد شيئا في بيان الصبح لمن لا يعرفه .. ولكنه مستساغ إذا كان الغرض أشياء من جنس الدعابة، وإظهار"خفة الدم"،وإشاعة المرح أو السخرية بالمشبه ... فكأن الشاعر لا يتوخى بتشبيهه المقلوب نقش صورة الصباح في وعي سامعه، بقدر ما يتوخى رسم البسمة على وجهه!!

إذن فليكن التشبيه المقلوب من وجوه البديع لا من وجوه البيان!!

إذا تقرر هذا، أجزنا لأنفسنا أن نعد التمثيل في الآية من باب تشبيه المعنوي بالحسي حملا له على أحسن محمل بلاغي، أما أن يكون المشبه حسيا فتأباه البلاغة ولا ينبغي أن يؤول به البيان المعجز ... (نحن ننطلق هنا من مقتضيات البلاغة وحدها وليس من قواعد العقيدة في الأسماء والصفات فليتنبه!)

فاعتبار النور حسيا يلزم عنه محذوران:

-اللغو في التشبيه، على مذهب القائل:

كأننا والماء من حولنا ... قوم جلوس حولهم الماء!!

فالمصباح، والكوكب الدري، والزيت المضيء، كلها أفراد من جنس النور .. فلا يكون في الآية أكثر من تشبيه النور بنفسه أو تشبيه الجنس بأفراده، فأي فائدة يجتنيها المتلقي من تشبيه طويل حاصله النور مثل النور!!

-قلب التشبيه، وقد عرفت ما فيه ..

وأحسب أن أبا تمام قد قال بقلب التشبيه في الآية وفق ما يفيده ظاهر بيته المشهور مع اعتبار سياقيه القولي والمقامي:

فاللُه قد ضَرب الأقَلَّ لنوره ... مثلًا مِنَ الْمِشكاةِ والنِّبراسِ

(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت