فهرس الكتاب

الصفحة 2758 من 12621

قطوف من جنة أشعار العرب: سفيف، وحفيف، ورفيف ... ثم وريف!

ـ [أبو عبد المعز] ــــــــ [15 - 11 - 2009, 03:25 ص] ـ

قال مالك بن الريب يرثي نفسه- من الطويل-:

أَلا لَيتَ شِعري هَل أَبيتَنَّ لَيلَةً بِجَنبِ الغضى أُزجي القَلاصَ النَواجِيا

فَلَيتَ الغضى لَم يَقطَعِ الرَكبُ عرضه وَلَيتَ الغضى ماشى الرِّكابَ لَيالِيا

لَقَد كانَ في أَهلِ الغضى لَو دَنا الغَضا مَزارٌ وَلَكِنَّ الغضى لَيسَ دانِيا

1 -إن من الشعر ما لا ينبغي أن يحلل أو يشرح ... حسب المتلقي أن يستكين لرقرقة القصيدة، ويستعذب حفيف الأبيات، ويصغى لخرير الكلمات ..

فكل كلام في هذا المقام قلة ذوق، بل قلة حياء!

نعم، فرب تحليل يكون مثل إعمال المبضع البارد في الجسد الجميل!

والجسد هنا حي غض ...

فعذرا يا مالك بن الريب، عذرا!!

2 -الشاعر عن موطنه بعيد، ومن أجله قريب ..

والأجل سابق للأمل ..

والأمل مختزل في ليلة واحدة يبيتها المحتضر في البلدة، لكن هيهات هيهات!

"رمل"و"قلاص"و"غضا".. هوذا الوطن كله .. ألا ما أفقر الجغرافيا!

لكن"الرمال"و"القلاص"و"الغضا".. تملأ مسافات الشعور فلا تترك للشاعر أن يشتهي شيئا غيرها ... ألا ما أعجب قلب الإنسان!

-لكل محكوم عليه بالإعدام رغبة أخيرة .. فما رغبتك الأخيرة يا مالك!

-أن أجري بوادي الغضا أسوق الإبل السريعة!!

"الغضى": شجر ينبت في الرمل، ولا يكون غضى إلا في رمل. (قاله صاحب الخزانة)

الغضى- مثل الشاعر المحتضر- يستمد ماهيته من موطنه لا من ذاته ..

أنت غضى ... إذن فأنت من الرمل في الرمل.

لكنك خارج الرمل أنت نبات فحسب، لا اسم لك ولا مجد!!

3 -الشاعر مريض محموم ... يلهج بالغضا ...

الغضى ... في البيت الأول ..

الغضى .. الغضى .. في البيت الثاني

الغضى .. الغضى .. الغضى .. في البيت الثالث ...

شوق .. فحمى ... ثم هذيان ...

لَقَد كانَ في أَهلِ الغضى لَو دَنا الغَضا مَزارٌ وَلَكِنَّ الغضى لَيسَ دانِيا ..

الغضى مذكور في تنوع أسلوبي بليغ:

-في موضع الإثبات: لَقَد كانَ في أَهلِ الغضى مَزارٌ

-في موضع الشرط: لَو دَنا الغَضا

-في موضع النفي: وَلَكِنَّ الغضى لَيسَ دانِيا.

ولكل موضع أسلوبي ما يوازيه على صعيد الشعور:

استئناس بالماضي وحنين إليه،

ثم أمل أو وهم أمل في الوصل به،

ثم الرضوخ للواقع والانكسار تحت وطأة اليأس.

فَلَيتَ الغضى لَم يَقطَعِ الرَكبُ عرضه وَلَيتَ الغضى ماشى الرِّكابَ لَيالِيا ..

هي أمنية واحدة .. لكن الشاعر المهووس بالغضا يخرجها بوجهين:

هما اثنان: غضى وركب ... ساكن ومتحرك.

"فَلَيتَ الغضى لَم يَقطَعِ الرَكبُ عرضه"

يعني الشاعر: ليت المتحرك سكن ... !

"وَلَيتَ الغضى ماشى الرِّكابَ لَيالِيا .."

يعني الشاعر: ليت الساكن تحرك .. !!

الغضى ثابت في مكانه .. فكان على الركب المتحرك أن يتنازل عن حركته ليساكن الغضى.

الركب متحرك في أماكنه .. فكان على الغضى أن يتخلى عن سكونه ويتعلم الحركة ليماشي الركب.

لكن أنى لهما المساكنة أو المماشاة! هل ينقلب الشيء إلى ضده!

هنا مكمن الفاجعة ..

مرة أخرى عفوا يا مالك بن الريب ...

ـ [أبو عبد المعز] ــــــــ [17 - 11 - 2009, 01:28 ص] ـ

قال الأمير شوقي:

برز الثعلب يوما في شعار الواعظينا

فمشى في الأرض يهذي ويسب الماكرينا

ويقول: الحمد لله إله العالمينا

يا عباد الله توبوا فهو كهف التائبينا

وازهدوا في الطير إن العيش عيش الزاهدينا

واطلبوا الديك يؤذن لصلاة الصبح فينا

فأتى الديك رسول من إمام الناسكينا

عرض الأمر عليه وهو يرجو أن يلينا

فأجاب الديك: عذرا يا أضل المهتدينا

بلغ الثعلب عني عن جدودي الصالحينا

عن ذوي التيجان ممن دخل البطن اللعينا

مخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا ..

1 -برز الثعلب

إسناد الفعل ("برز") إلى الفاعل ("الثعلب") إيقاظ للمتلقي وتحفيزلانتباهه:

فإن الحدث لغير معتاد، وإن الواقعة لتثير أكثر من سؤال ..

من شأن الثعلب -في وجداننا الثقافي- أن يختفي لا أن يبرز، ومن طبع الثعلب الكيد والمكر، ولا يفلح الكيد والمكر إلا حيث خفاء، أيتسق هذا وبروز"الثعلب؟!"

البروز انكشاف وافتضاح، ذلك ما فعله الثعلب،

والمكر تستر وتوار، هذا ما جبل عليه الثعلب ..

فالمفارقة بين الفعل والجبلة مثيرة، وإرهاص الحدث الفريد يبشر به مطلع القصيدة، فليكن القاريء على أهبة لاستقبال غرابة ما سوف يحدث!

الثعلب متوجه الآن إلى عالم الناس، أيعقل هذا؟

(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت