ـ [عمر بن عبد المجيد] ــــــــ [15 - 03 - 2012, 04:14 ص] ـ
عمر بن عبد المجيد البيانوني
تبختر المال في مشيته أمام العِلْم واختال بمظهره البرَّاق ووميضه المشرق، فنظر إليه العلم نظرة المشفق المعلِّم وقال له: أَكُلَّ هذا الفرحِ بمظهرك وجمالك؟ وماذا يكون ممَّا ظاهره فيه الرحمة وباطنه مِنْ قِبَله العذاب؟
إنَّ الأفاعي وإنْ لانتْ ملامسها ... عند التقلُّبِ في أنيابها العَطَبُ
وما أكثرَ ما تُخفي الحلاوة الظاهرة من المرارة الباطنة! وما أكثرَ ما يخفي جمال المنظر من قبح المخبر، بل ومن فقدان طيب الأصل والجَوْهر.
أم أنك تأخذ بالظاهر على مذهب الظاهرية كالإمام ابن حزم حين قال:
وَذِي عَذلٍ فِيمَنْ سَبَانِي حُسْنُهُ ... يُطِيلُ مَلاَمِي فِي الهَوَى وَيَقُولُ
أَمِنْ حُسْنِ وَجْهٍ لاحَ لَمْ تَرَ غَيرَهُ ... وَلَمْ تَدرِ كَيْفَ الجِسْمُ، أَنْتَ قَتِيْلُ؟
فَقُلتُ لَهُ: أَسْرَفْتَ فِي اللَّوْمِ فَاتَّئِدْ ... فَعِندِيَ رَدٌّ لَوْ أَشَاءُ طَوِيلُ
أَلَمْ تَرَ أَنِّي ظَاهِرِيٌّ وَأَنَّنِي ... عَلَى مَا بَدَا حَتَّى يَقومَ دَلِيلُ
وماذا يفيد المال بدون العلم ألم ترَ كيف أصابك التيه والعجب بما لا يعجب منه العاقل الحكيم؟!
قال المال: ولماذا لا أفرح وكل الناس يعتزُّون ويفتخرون بوجودي عندهم، ويتكاثر الناس بما عندهم من مال، ولا يملون ولا يسأمون من الازدياد مني مهما ملكوا ..
قال العلم: أيُّ عزٍّ هذا وأيُّ فخر؟ ألم تعلم أنَّ كلَّ عزٍّ لم يُوطَّد بعلم فإلى ذلٍّ مصيرُه، وإلى زوالٍ عبيرُه، أما علمتَ ما حصل بقارون كان مالُه وبالًا عليه، حتى الذين تمنَّوا أنْ يكونوا مكانَه فرحوا أنْ لم يكونوا مثلَه، وشعروا بمنَّة الله عليهم في ذلك، وصدق القائل:
أرى الدنيا لمن هي في يديه ... عذابًا كلما كَثُرَتْ لديه
تُهين المُكرِمينَ لها بصُغرٍ ... وتُكرِمُ كلَّ مَنْ هانت عليه
إذا استغنيت عن شيءٍ فدعهُ ... وخذ ما أنت محتاجٌ إليه
وبيَّن أبو الفتح البستي ذلك أجلى بيان فقال:
وَيَا حَرِيصًا عَلَى الأَمْوَالِ تَجْمَعُهَا ... أنسِيتَ أَنَّ سُرُورَ المَالِ أَحْزَانُ
زَعِ الفُؤَادَ عَنِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ... فَصَفْوُهَا كَدَرٌ وَالْوَصْلُ هِجْرَانُ
وكان سقراط فقيرًا فقال له بعض الملوك: ما أفقرَك! فقال: «لو عرفتَ راحةَ الفقر لشغلك التوجُّع لنفسك عن التوجُّع لي» ، فالفقر ملك ليس عليه محاسبة.
وقيل له: لِمَ لا يُرى أثر الحزن عليك؟ فقال: «لأني لم أتخذ ما إنْ فقدتُه أحزنني» .
وقال بعض الحكماء: «من أحبَّ أن تقل مصائبه فليقل قُنيته للخارجات من يده» ، لأنَّ أسبابَ الهم فوتُ المطلوب وفقدُ المحبوب، ولا يسلم منهما إنسان، لأنَّ الثبات والدوام معدومان في عالم الكون والفساد، وأدرك ابن الرومي هذا فقال:
ومَنْ سرَّه أن لا يرى ما يسوؤه ... فلا يتخذ شيئًا يخاف له فقدا
وقال بعضهم:
(النار) آخر دينار نطقت به ... و (الهمُّ) آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء بينهما ما لم يكن ورعًا ... معذَّب القلب بين الهمِّ والنارِ
وحكي أنه لما غرقت البصرة أخذ الناس يستغيثون، فخرج الحسن رضي الله عنه ومعه قصعة وعصا، وقال: نجا المخفون.
وتأمل في سعادة هذا الزاهد الذي لا همَّ له إلا العلم والتعليم للناس الذي وصفه أحدهم بقوله:
قليلُ الهمِّ لا ولدٌ يموتُ ... ولا أمرٌ يحاذره يفوتُ
قضى وطر الصبا وأفاد علمًا ... فغايته التفرُّدُ والسكوتُ
قال المال: لكن لا يمكن لأحد أن ينكر فضلي وقيمتي، ومهما تكلَّموا وزهَّدوا الناسَ بي تبقى مكانتي عالية في نفوسهم، فهذا أبو سليمان الداراني يقول: «قد وجدتُ لكلِّ شيء حيلة إلا هذا الذهب والفضة، فإني لم أجد لإخراجه من القلب حيلة» .
وقال بعض السلف: «من ادَّعى بغض الدنيا، فهو عندي كذاب، إلا أن يثبت صدقه، فإذا ثبت صدقه فهو مجنون» .
وقال ابن الجوزي رحمه الله: «للنفس قوة بدنية عند وجود المال، وهو معدود عند الأطباء من الأدوية» .
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)