ـ [ (أبو إبراهيم) ] ــــــــ [25 - 02 - 2011, 08:31 م] ـ
البسملة1
الحمدُ لله والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسولِ الله، وعلى آلِه وصحبِه ومَن وَالاه ..
أمَّا بَعدُ ..
فقد كنتُ قبلَ أيَّامٍ قلائلَ أتصفَّحُ دِيوانَ شيخِ الأزهرِ الأسبقِ الشَّيخِ العلَّامةِ محمَّد الخضر حُسين رحمه الله تعالى،
والَّذي نُشِرَ بعِنوان (دِيوانُ خَواطرِ الحياةِ) بتَعليق الشَّيخِ محمَّد علي النَّجَّار عام 1373،
ثمَّ أُعيدَ طبعُه ضِمْنَ موسوعةِ الأعمالِ الكاملةِ لِلشَّيخ الإمامِ عام 1431.
وأثناءَ تجوُّلي في رِياضِ هذا البُستَانِ الشِّعريِّ الجميلِ الَّذي يُظهِرُ غيرةَ الشَّاعرِ الكبيرةَ على لُغةِ القُرآنِ العظيمِ استَوقَفَتْني قصائدُ كثيرةٌ:
مِنها: قِصيدتُه الَّتي بعُنوان:
(حَياةُ اللُّغةِ العَربيَّةِ)
وأوَّلُها:
بَصَرِي يَسْبَحُ فِي وَادِ النَّظَرْ يَتَقَصَّى أَثَرًا بَعْدَ أَثَرْ
وَسَبِيلُ الرُّشْدِ مَمْهُودٌ لِمَنْ يَتَحَامَى الغمْضَ مَا اسْطَاعَ السَّهَرْ
ومِن جَميلِ أبياتِها:
لُغَةٌ أُودِعَ فِي أَصْدَافِهَا مِن قَوانينِ الهُدَى أَبْهَى دُرَرْ
أَفَلَمْ يُنْسَجْ عَلَى مِنْوَالِها كَلِمُ التَّنزِيلِ في أَسْمَى سُوَرْ
لُغةٌ تَقْطِفُ مِن أَغْصَانِهَا زَهْرَ آدابٍ وأَخلَاقٍ غُرَرْ
هِيَ بَحْرٌ غُصْ عَلَى حِلْيَتِهَا فَلَآلِي البَحْرِ لَيْسَتْ تَنْحَصِرْ
إلى آخرِ هذهِ القَصيدَةِ الرَّائعَةِ ..
ومِن لَطيفِ ما جَاءَ في الدِّيوانِ في قَافيةِ (الدَّال) قولُ الشَّاعرِ:
كانَ أحدُ الأدباءِ بتُونس بَعثَ ببَيتَينِ إلى الشَّاعرِ مُقتَرِحًا تَشطِيرَهما، فأجابَ اقتراحَه، وهَذانِ البَيتَانِ معَ التَّشطِيرِ:
«وَخَبِّرهُمْ وَأَنْتَ بِهِمْ خَبِيرُ» بِمَا فَعَلَتْهُ جَالِيَةُ اليَهُودِ
وَذَكِّرْ آلَ يَعْرُبَ أَينَ كَانُوا «بِأَنَّ الذُّلَّ شِنْشِنَةُ العَبِيدِ»
«وَأنَّ نُفوسَ هذَا الخَلقِ تَأْبَى» حَياةً تَحْتَ سَيْطَرَة المسُودِ
وَإِنْ خَضَعَتْ لَهَا فَقَدِ اسْتَحَلَّتْ «لِغَيرِ إِلَـ?هِهَا ذُلَّ السُّجُودِ»
فلمَّا قرأتُ هذا التَّشطيرَ الجميلَ انقَدَحتْ في ذِهني فِكرَةُ هذا الموضوعِ،
الذي فيهِ شَحذٌ للهِمَمِ، ودُربةٌ على قَرضِ الشِّعرِ،
معَ ما فيهِ مِن التَّأمُّلِ في الأَبياتِ، والغَوصِ في مَعانِيها،
والتَّفنُّنِ في الإتيانِ بمَعانٍ جَديدةٍ، أو قِراءةِ ما بَين السُّطورِ وإيضَاحِ ذَلِكَ ..
فأحببتُ أَن أَستَفتِحَ هَذا الموضوعَ في هذا الملتقَى المبارَكِ، وجعلتُه بعِنوَان:
وَبَيْتٍ نَشْرَهُ نَاشِرْ فَشَطِّرْهُ أَيَا شَاطِرْ
ـ [ (أبو إبراهيم) ] ــــــــ [25 - 02 - 2011, 08:33 م] ـ
وهذا إيضاحٌ مُختصرٌ لِلعُنوَانِ:
،،، النَّشْرُ: الرَّائحةُ الطَّيِّبةُ، وقِيلَ: هو الِمسكُ.
،،، ونَاشِرٌ: اسمُ فاعلٍ من النَّشرِ بمَعنَى: التَّفريقِ، والبَسطِ، وهو خِلَافُ الطَّيِّ.
،،، فَشَطِّرْهُ: مِن التَّشطيرِ، وهُو ـ كما في (مِيزان الذَّهبِ في صِناعَةِ شِعرِ العَربِ للهَاشميِّ ـ ص: 136) ـ مِن الفُنونِ الملحَقَةِ ببُحورِ الشِّعرِ المعروفةِ، وحقيقتُه: أن يَعمدَ الشَّاعرُ إلى أبياتٍ لغَيرِه، فيَضُمَّ إلى كلِّ شَطرٍ مِنه شَطرًا يزيدُه عليهِ: عَجُزًا لِصَدرٍ، وصَدْرًا لعَجُزٍ.
،،، والشَّاطِرُ: ـ كما في (قَامُوس رَدِّ العَامِّيِّ إلَى الفَصيحِ لِلشَّيخِ أَحمَد رِضَا ـ ص: 292) ـ: «الشَّاطِرُ عندَ العَامَّةِ: الذَّكِيُّ الحاذِقُ اللَّبِقُ في عَملِه، هذا هو المعنَى المشهورُ بينَهم، وفي اللُّغةِ مِن مَعانِيهِ: الذَّكيُّ السَّبَّاقُ المسرِعُ (ج) شُطَّار، وأشهَرُ مَعانيهِ في اللُّغةِ: مَن أَعيَا أهلَه خُبثًا ومَكرًا» اهـ
وعليهِ .. فَاستِعمَالُ العامَّةِ له في مَعنَى الذَّكيِّ استِعمَالٌ صحيحٌ، وهو المرادُ هُنَا.
ـ [ (أبو إبراهيم) ] ــــــــ [25 - 02 - 2011, 08:34 م] ـ
وسنَسلُكُ في التَّشطيرِ الطَّريقةَ الآتيةَ:
،،، سَأبدَأُ أوَّلًا فآخُذُ بيتًا أو أكثر مِن مَشاهيرِ الأبياتِ فأحاوُلُ تَشطِيرَهُ.
،،، ثمَّ أضعُ بَيتًا آخرَ مِن الأبياتِ السَّائِرَة.
،،، فيأتي جَليسٌ آخرَ بعدِي، فيقوم بتَشطِيرِه.
،،، ثمَّ يَذكُر لَنا بيتًا مَشهورًا آخرَ، لِيأتيَ مَن بعدَه فيُشطِّرَه.
وهكَذا ..
،،، وَلِتَميِيزِ الأشطُرِ الأصليَّةِ مِن الزَّائدةِ:
ـ تُجعَلُ الأشطرُ الأصليَّةُ بينَ قَوسَينِ «» وباللون الأزرق.
ـ وتكونُ الأشطرُ الزَّائدةُ بدُونِ أقواسٍ، وبِاللَّونِ الأحمرِ.
ـ [ (أبو إبراهيم) ] ــــــــ [25 - 02 - 2011, 08:38 م] ـ
ولنبدأ باسم الله ..
مِنَ الأَبياتِ المشهورةِ المنسوبةِ إلى الإمامِ الشَّافعيِّ رحمه الله تعالى ـ وما أكثرَ ما نُسِبَ إليهِ!! ـ قولُه:
يَا وَاعِظَ النَّاسِ عَمَّا أَنْتَ فَاعِلُهُ يَا مَنْ يُعَدُّعَلَيهِ العُمْرُ بِالنَّفَسِ
اِحْفَظْ لِشَيْبِكَ مِنْ عَيْبٍ يُدَنِّسُهُ إِنَّ البَيَاضَ قَلِيلُ الحَمْلِ لِلدَّنَسِ
كَحَامِلٍ لِثِيَابِ النَّاسِ يَغْسِلُهَا وَثَوبُهُ غَارِقٌ فِي الرِّجْسِ وَالنَّجَسِ
تَبْغِي النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ طَرِيقَتَهَا إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجرِي عَلَى اليَبَسِ (1)
رُكُوبُكَ النَّعْشَ يُنسِيكَ الرُّكُوبَ عَلَى مَا كُنْتَ تَرْكَبُ مِن بَغْلٍ وَمِن فَرَسِ
يَوْم القِيَامَة لَا مَالٌ وَلَا وَلَدٌ وَضَمَّةُ القَبْرِ تُنْسِي لَيلَةَ العُرُسِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وردَ هذا البَيتُ كذلك في دِيوانِ أبي العَتَاهية في قَافِيَةِ السِّينِ، وَهُو فيهِ هَكذَا:
تَرجوالنَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجرِي عَلَى اليَبَسِ
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)