ـ [أبو المقداد] ــــــــ [05 - 06 - 2010, 02:50 م] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
سئل شيخنا الفاضل جلال بن علي السلمي - حفظه الله وسدده - عن مسألة رضاع الكبير، وثبوت المحرمية به، وهل القول بالجواز شاذٌّ أو معتبر؟ فأجاب بجواب مطول، فسألته أنه يمليه عليَّ، فأملى الآتي:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
مسألةُ رَضَاعِ الكبير وثبوت المحرمية به من المسائل التي قد وقع فيها الخلافُ بين العلماء -رحمهم الله تعالى-، وفيها ثلاثة أقوال، وإليك بيانها مع أدلتها والراجح منها:
القول الأول: ثبوت المحرمية برضاع الكبير مطلقا، وهذا مذهب أهل الظاهر رحمهم الله تعالى، وحكي عن عطاء والليث، واستدلوا على ذلك بأدلة:
-منها: قوله سبحانه وتعالى: ?وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم? ووجه الاستدلال بهذه الآية: من قوله تعالى: ?أرضعنكم? فضمير الجمع صادق على الصغير والكبير، وهذا هو حد المطلق، والقاعدةُ في الأصول: [يجب العمل بالمطلق على إطلاقه ما لم يرد دليل بخلافه] .
(ونوقش) : بأنه قد ورد الدليل الدال على التقييد، وهو حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا بلفظ: «إنما الرضاعة من المجاعة» والقاعدة في الأصول: [يجب حمل المطلق على المقيد عند التعارض] ، ومن ثمّ يسقط الاستدلال بهذا الدليل.
-ومنها: ما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ، ووجه الاستدلال منه: من قوله صلى الله عليه وسلم: «الرضاع» فهذا مفرد دخلت عليه (( أل ) )الجنسية، والقاعدة في الأصول: [أن (( أل ) )الجنسية تفيد عموم مدخولها] ، فيشمل رضاع الكبير والصغير.
(ونوقش) : بأنه قد ورد الدليل المخصِّص، وهو حديث عائشة -رضي الله عنها- المتقدمُ، وما في معناه من الأحاديث عند من يقول بثبوتها، والقاعدة في الأصول: [أن الخاص مقدم على العام عند التعارض] .
-ومنها: ما أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في الصحيح من حديث عائشة -رضي الله عنها- في قصة سهلة زوجة أبي حذيفة، وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها لما جاءته تسأله عن سالم: «أرضعيه تحرمي عليه» ووجه الاستدلال منه: من قوله -صلى الله عليه وسلم-: «تحرمي عليه» فهذا نص في ثبوت المحرمية لسالم وهو كبير، والقاعدة في الأصول: [يجب العمل بالنص ولا يجوز العدول عنه] والقاعدة في الأصول: [أن ما ثبت في حق بعض الأمة يثبت في حق جميعها] وبناءً عليه فيثبت التحريم في رضاع كل كبير.
(ونوقش من وجوه) :
-الأول: أنه خاص بسالم مولى أبي حذيفة t.
وردت المناقشة: بأن القاعدة في الأصول: [أن ما ثبت في حق بعض الأمة يثبت في حق جميعها] وبعبارة أخرى: القاعدة في الأصول: [الأصل عدم الخصوصية] .
-الثاني: أنه كان في أول الإسلام ثم نسخ.
وردت المناقشة: بأن القاعدة في الأصول: [أن الأصل في النص الإحكام ولا يجوز العدول عنه إلا بدليل] ، ولا دليل.
-الثالث: أن هذا خاص بصورة الحاجة، ووجهه: أنه ثبت الترخيص في قصة سالم، وجاء فيها: أنه كان ابنا له بالتبني، ويلحق به كلُّ حاجة من باب القياس، والقاعدة في الأصول: [أن القياس حجة في إثبات الأحكام] .
وردت المناقشة: بأن هذا قياسٌ غير منصوص على علته، والقاعدة في الأصول -على الصحيح-: [أن القياس غير المنصوص على علته ليس بحجة] . (وفي حكم المنصوص عليه: الأولوي والإلحاق بنفي الفارق) وهو أيضا معارِض لعموم حديث عائشة -رضي الله عنها-: «إنما الرضاعة من المجاعة» والذي يدل على عدم ثبوت التحريم برضاعه، والقاعدة في الأصول: [أنه لا يجوز تخصيص العموم بالقياس إذا لم يُنَصَّ على علته] .
-الرابع: أن هذا - أي: مجموع القصة- فعلٌ، والقاعدة في الأصول: [أن الفعل لا عموم له] ، فيقتضي هذا اختصاصَ الحكم بما وافق القصةَ في الحالِ فقط (صورة التبني) ، فعند عبد الرزاق -بسند صحيح- عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- قالت: جاءت سهلة بنتُ سهيل بنِ عمرو إلى النبي فقالت: إن سالما كان يدعى ابن أبي حذيفة ... الحديثَ.
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)