ـ [أم محمد] ــــــــ [20 - 02 - 2010, 10:35 م] ـ
عِنْدَما تَصِيح أَفْراخ ُالتَّجْرِيح ..
بقلم: علي أبو هنيَّة
عندما نسمع صوت فرخ يصيح في عشِّه, ويتقلَّب قلقًا بين قشِّه, نعلم أن أمرًا ما قد حصل له أو شيئًا رآه, أو مكروهًا قد انتابه واعتراه:
فإِمَّا أن يكون قد جاع وتأخَّرت عليه أمُّه بالطعام ..
وإِمَّا أن تكون قد تركته هذه الأمُّ وأسلمته طريدةً سهلةً للجوارح اللئام ..
وإِمَّا أن يكون قد دهمته أفعى في أنيابها عاجل الحِمام ..
أَمَّا أن يكون هذا الفرخ يصيح على أُمِّه لأنها لم توافقه في رأيه الكليل, ولم تماشِهِ على فكره العليل, ولم تطع أمره المهول, ولم تقل بما هو يقول! فهذا أمر محدَث قد شذَّ به هذا الفرخ عن الجماعة, وشيء لم تسمع به صنوف الطير قبل الساعة, ولكن إذا أنصفنا هذا الفرخ واستمعنا إليه فلربما وجدناه معذورًا, وعنده من الحجج على أمِّه ما يعجزها ردُّه دهورًا, وقد يكون صاحبَ حجة وبيان, أو عنده عذر هدهد سليمان, أو -على الأقل- عنده شبهة دليل وبرهان ..
وقصة هذا الفرخ العجيبة, وأنباؤه الغريبة: أنَّ أمه قد علَّمته كافَّة فنون الظلم والزُّور والتدليس والتلبيس على (بعض) ! الطيور, وداومت على تدريبها له الأيام والشهور, واتهامهم بالبَهت والعدوان, والطعن في نياتهم والجَنان, وأمدته بالعدة والعتاد, وسلَّمت له دفَّة القياد, وكانت تُثني عليه في المحافل وهو ينهش لحم الطير, ولم تكن تعلم ما يخبئ لها القدر حين يفرغ من ذلك الغير, من انقضاض فرخها عليها, ووصول مخالبه إليها, وداومت على تعليمها له لجعله أعظم محارب, وألقت له -مطمئنَّةً- الحبل على الغارب, وطبَّقت ذلك أمام عينيه, ومثَّلت بأمثلة قُدَّام ناظريه, على بعض الطيور المغرِّدة الجميلة, التي وقفت على غصن كلِّ أيكة وخميلة, والتي ملأت أصواتُها العذبةُ جميعَ الأركان, وزيَّنت ألوانُ ريشها الفتَّان أنحاء البستان, وجعل الناس ينظرون إليها باستمتاع, ويستمعون إليها أحسن الاستماع, وهي تطير في الأجواء, وتحلق في الحدائق الغنّاء, ونفع الله بطيرانها وتحليقها البلاد, وهدى بأصواتها وتغريدها العباد, فلما أتى هذا (الفرخ=الوحش) المسكين!! ليطبِّق ما سنَّته أمه وحاضنته ومربيته على غير تلك الطيور من قوانين, كان ما كان وصار ما صار, ودار بينهما هذا الحوار:
الأم: ويلك أيها الولد المغرور! ألا تفرِّق بين أصناف الطيور؟! فتلك الطيور التي اصطدناها, وجرحناها! وتتبعناها, وفي شباكنا أوقعناها, طيور ضعيفة مهيضة الجناحين, أما هذا فبازيٌّ جميل العينين, وله قرابة بكبار الجوارح؛ فالنَّسر من أخواله, والصَّقر من عمومته, والشَّاهين ابن عمِّ خال أمِّ جدَّته! وبينه وبين العقاب صلة وثيقة, وتربطه به صحبة عميقة, وله مكانة عالية في مملكة الطيور, ومنزلة سامية عند فصيلة النسور.
الفرخ -ببراءة شديدة-: ولكنها كلُّها عصافير, وكلُّها تطير, ولها ريش ومناقير.
الأم: وإن كان, دع عنك هذا الهذيان, فإنك صغير ولا تدري كلامك إلامَ مؤداه, وهذا قانون مملكة الطيور! فلا تتعداه.
الفرخ: ولكن يا أماه! ألم تتكلَّمي فيه وتجرحيه بقاسى الكلام, حين كنَّا وحدنا في العشِّ قبل أيام؟!
الأم -محرجة-: بلى, ولكننا كنا وحدنا ولم يسمعنا أحد, أما أنت فتريد فضحنا في البلد.
الفرخ: ألم تكوني تقولين لي: أن ألزم الشجاعة في الحق الدائم, وأن لا تأخذني في الله لومة لائم؟!
الأم: بلى, ولكنَّ المصلحة والمفسدة تتطلَّب أن نجهر بأكل لحم فلان, وأن نُسِرَّ في نهش عِلان.
الفرخ: وما هي المصلحة التي كانت حين تركتني آكل لحم ذاك الطير, وما الفرق بينه وبين لحم هذا الغير؟!
الأم: قلت لك: هذا قانون الطيور, ويجب أن تبقى في فلكه تدور, وأن لا تخرج عنه وتحور.
الفرخ: أليس خطؤهما واحد؟
الأم: بلى.
الفرخ: أليست عبارتهما واحدة؟
الأم: بلى.
الفرخ: أليست مواقفهما واحدة؟
الأم: بلى, ولا تَزِدْ فتثيرَ علينا الأُلى.
الفرخ -مغيِّرًا لهجته فجأةً, تاركًا مناداتها بالأم-: وهل قانون الطيور إلى هذا الحد جائر وأهوج؟ بل هو قانونك أنت ونظامك الأعوج.
الأم: إما أن تسكت عن العويل والصراخ, وإما أن أرميك من العش كما رميت من قبلك من الأفراخ.
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)