ـ [عمر بن عبد المجيد] ــــــــ [11 - 01 - 2011, 11:58 م] ـ
عمر بن عبد المجيد البيانوني
كيف يكون الإسلام منتشرًا بحدِّ السَّيف ولم يدخل فيه في البداية إلا قلَّة على خوف من النَّاس أن يفتنوهم عن دينهم ويضلوهم ..
وكيف يكون ذلك وقد دخل فيه ضعفاء النَّاس من العبيد وغيرهم ولاقوا الأذى في سبيل ذلك ولم يصدهم عن دينهم شيء.
ثم نرى أروع النماذج من حبِّهم لهذا الدين، وتضحيتهم من أجله مهما كلَّف الأمر.
لقد جاء النبي e إلى النَّاس بشريعة مهداة تجعل مَنْ أراد الحق يدخل فيه عن اقتناع فيه دون انتظار لمعجزة تجعله موقنًا بأنَّه دين حق.
وما منع مَنْ لم يدخل في الإسلام إلا العناد والمكابرة مع اليقين أنَّ ما جاء به هو الحق {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} ، أو الحرص على الزعامة وخشية العار من قومهم، وقد قال قائلهم:
وعرضتَ دينًا قد علمتُ بأنَّه مِنْ خيرِ أديانِ البريَّةِ دِينَا
لولا الملامة أو حذارِ مسبَّة لوجدتني سمحًا بذاك مبينا
لقد وسع النبيُّ e النَّاس برحمته فكان أبغضُ النَّاس إليه أحبَّ النَّاس إليه قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) .
وقد جاء عمر إلى النبيِّ e يريد قتله والقضاء عليه، فما لبث إلا أن صار مؤمنًا نصر الله به الدين.
وكان النبيُّ e رحيمًا حتى بأعدائه، فكان يعفو عنهم مع كامل القدرة عليهم، ولم يكن ليتعامل معه بالقوَّة والقهر، فقد قال لهم بعد فتح مكة: ما ترون أنِّي فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا أخٌ كريم وابنُ أخ كريم. فقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
وعندما توشح المشرك سيفه وهو غورث بن الحارث، وقام على رأس رسول الله e بالسيف وقال له: مَنْ يمنعك مني؟ قال: الله. فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله e، وقال: من يمنعك؟ قال: كن خير آخذ، قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: أعاهدك على أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، قال: فخلى رسول الله e سبيله فجاء إلى قومه، فقال: جئتكم من عند خير النَّاس ( [1] (http://www.ahlalloghah.com/#_ftn1 ) ) .
ولم يستغلها النبي e فرصة لإجباره على الإسلام.
وعندما بعث رسول الله e سعد بن عبادة في كتيبة من الأنصار أمرهم أن يكفوا أيديهم فلا يقاتلوا أحدًا إلا مَنْ قاتلهم. ولما قال سعد: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة، أرسل رسول الله e إلى سعد بن عبادة فعزله ( [2] (http://www.ahlalloghah.com/#_ftn2 ) ) .
وعن ابن عمر أنَّ رسول الله e رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فأنكر ذلك ونهى عن قتل النساء والصبيان ( [3] (http://www.ahlalloghah.com/#_ftn3 ) ) .
وكان e ينهى أصحابه عن قتال من لم يقاتل، فعن أنس قال: كنا إذا استنفرنا نزلنا بظهر المدينة حتى يخرج إلينا رسول الله e، فيقول: (انطلقوا بسم الله وفي سبيل الله تقاتلون أعداء الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلوا) ( [4] (http://www.ahlalloghah.com/#_ftn4 ) ) .
وهكذا كان الصحابة من بعده فقد أوصى أبو بكر حينما بعث جيوشًا إلى الشام وقال ليزيد بن أبي سفيان: وإنِّي موصيك بعشر، لا تقتلن امرأة ولا صبيًَّا ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطعن شجرًا مثمرًا، ولا تخربن عامرًا، ولا تعقرن شاة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلًا ولا تغرقنه، ولا تغلل ولا تجبن ( [5] (http://www.ahlalloghah.com/#_ftn5 ) ) .
فالإسلام إنَّما انتشر بالحبِّ والعقيدة التي أكرمت الإنسان وحرَّرته مِنْ سوى الله جلَّ وعلا، واعترفت بحاجات النَّاس فلم تعارضها، بل كانت مقرة بها وشرعت لها ما يناسبها من تعاليم وأحكام، فكانت صالحة لكل زمان ومكان.
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)