ـ [منيب ربيع] ــــــــ [06 - 04 - 2014, 01:34 م] ـ
من أنواع الإعراب: الجزم، وهو في الأفعال المضارعة نظير الجر في الأسماء)، فإن كان المضارع صحيح الآخر كان جزمه بالسكون، كقوله تعالى: لم يلدْ ولم يولدْ ولم يكنْ له كفوا أحد ، وإن كان معتلّ الآخر بأحد أحرف العلة: (الألف) أو (الواو) أو (الياء) حُذِف ذلك الحرف ، فيُقال: (لم أخشَ) ، و (لم أرمِ) ، و (لم أدعُ) ، بحذف أحرف العلة، ولا يقال: (لم أخشى) ، ونحوه إلا أن يُضطر شاعر.
قال سيبويه ـ رحمه الله ـ: ... أنشدنا من نثق بعربيته:
ألم يأتيك والأنباء ترمي بما لاقت لبون بني زياد
فجعله حين اضطر مجزوما من الأصل .
ووافقه جمهور النحويين، ومن أقوالهم في ذلك:
ـ هذه الحروف تحذف في موضع الجزم ... وربما لم تُحذف في الشعر .
ـ لا يجوز: (أعطيهم) ولا (أغزيهم) إلا أن يُحمل ذلك على الضرورة .
ـ ويجوز للشاعر أن يُجري المعتل من الأفعال مُجرى السالم .
ـ تقر هذه الحروف التي هي (الواو) ، و (الياء) ، و (الألف) في الضرورة .
وقد وقع في القرآن الكريم ما ظاهره إثبات (الألف) ، وما ظاهره إثبات (الياء) ، في الفعل المعتل المجزوم، فذهب بعض المعربين إلى أنه يجوز إجراؤهما إجراء الفعل الصحيح.
أولا: إجراء المعتل بالألف مجرى الصحيح.
أجاز بعض المعربين إثبات حرف العلة (الألف) مع المضارع المجزوم؛ إجراءً للمعتل مجرى الصحيح، في قوله تعالى: فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخَفْ دركا ولا تخشى . في قراءة حمزة بجزم تخف، وقرأه الباقون بالرفع ، ففي قراءة الرفع ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون مستأنفا، فلا محل للجملة من الإعراب.
الثاني: أن يكون في محل نصب على الحال من فاعل اضرب، وقد ذكر الوجهين سيبويه ـ رحمه الله ـ؛ فقال: وقال ـ عز وجل ـ: فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى، فالرفع على وجهين: على الابتداء، وعلى قوله: اضربه غير خائف ولا خاش .
الثالث: أن يكون في محل نصب صفة لـ طريقا، والعائد محذوف، وإليه ذهب الأخفش؛ فقال ـ رحمه الله ـ: أي: اضرب لهم طريقا لا تخاف فيه دركا، وحذف (فيه) ، كما تقول: زيدٌ أكرمتُ، تريد: أكرمتُه. وكما قال: واتقوا يوما لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئا ، أي: لا تجزي فيه .
وذكر الأوجهَ الثلاثةَ مكيٌّ ، والعكبري ، والمنتجب الهمذاني ، والسمين .
وفي قراءة الجزم ـ وهي قراءة حمزة ـ وجهان:
الأول: أن يكون مجزوما على جواب الأمر، وإليه ذهب الفراء؛ فقال: وقد قرأ حمزة لا تخف، فجزم على الجزاء .
الثاني: أن يكون نهيا، وإليه ذهب الزجاج؛ فقال: ومن قال: (لا تخف) فهو نهي عن أن يخاف .
وقد أجاز الوجهين أبو جعفر النحاس؛ فقال: والقراءة الثانية [أي: قراءة الجزم] فيها تقديران: أحدهما: الجزم على النهي، والآخر الجزم على جواب الأمر، وهو اضرب ، ووافقه مكي ، والمنتجب الهمذاني ، والسمين الحلبي .
وأجمع السبعة على الرفع في قوله: ولا تخشى، فمن قرأ برفع لا تخاف فقراءته ظاهرة؛ إذ إن فيها عطفَ مرفوع على مرفوع.
ومن قرأ بجزم لا تخف فقد اختلف المعربون في وجه الرفع في قوله: ولا تخشى على ثلاثة أوجه من الإعراب:
الأول: أن قوله: ولا تخشى مرفوع؛ لأنه مستأنف، وبه بدأ الفراء؛ فقال: وقد قرأ حمزة: لا تخف فجزم ... ورفع ولا تخشى على الاستئناف .
واختاره الطبري؛ فقال:"ولا تخشى على الاستئناف، كما قال ـ جلّ ثناؤه ـ: يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون"، فاستأنف بـ (ثم) .
واختاره النحاس ووصفه بأنه لا يجوز غيره؛ فقال:"الذي لا يجوز غيره أن يكون مقطوعا من الأول".
وأجازه أبو علي الفارسي ـ في أحد قوليه ـ ، والسيرافي ـ في أحد قوليه ـ ومكي ، وابن فضال المجاشعي ، وابن عصفور ، والباقولي ، والتبريزي ، والهمذاني ، والأنباري .
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)