ـ [أنس آغا] ــــــــ [01 - 05 - 2010, 12:56 ص] ـ
حكي أن عمرَو بنَ مسعدة وزيرَ المعتصم قال: لما خرج المعتصم من بلاد الروم , وصار بناحية الرقة , قال لي: ويلَك , يا عمرُو! لم تزل تخدعني حتى ولَّيتُ عُمر بن الفرج الرُّخَّجي الأهوازَ , وقد قعد في سُرَّة الدنيا , يأكلها خضْمًا وقضْمًا. فقلت: يا أمير المؤمنين , فأنا أبعث إليه حتى يُؤْخَذ بالأموال , ولو على أجنِحة الطير. قال: كلا بل تخرج إليه بنفسك, كما أشرت به. فقلت لنفسي: إن هذه منزلةٌ خسيسة , بعد الوزارة أكون مستحثًا لعامل خراج! ولم أجد بدًا من الخروج , رضًا لأمير المؤمنين , فقلت: هأنا خارج إليه بنفسي , يا أمير المؤمنين. قال: فضع يدك على رأسك , واحلفْ أنّك لا تقيم ببغداد. ففعلت وأحدثت عهدًا بإخواني ومنزلي , وأُتيَ إليَّ بزورق ففُرش لي فيه , ومضيتُ حتى إذا صرتُ بين دير هرقل ودير العاقول إذا شاب على الشطِّ يقول: يا ملّاحُ , رجلٌ غريب يريد دير العاقول , فاحملني , يأجرك الله. فقلت: يا غلام , قرِّبْ له. فقال: جُعلتُ فداك! يؤذيك ويضيِّق عليك. فقلت: قرِّب له , لا أمَّ لك! فقرَّب له وحمله على مُؤْخِر الزّورق. وحضَر الطعامُ , فهممت ألا أدعوَه إلى طعامي , ثم قلت: هلمَّ , يا فتى , فوثب وجلس , فأكل أكْل جائع نَهِم , إلا أنه نظيف الأكل. فلما فرغ من الطعام أحببتُ أن يفعل ما يفعل العوامُّ فيتنحى ويغسلَ يديه ناحية , فلم يفعل. فغمزه الغلمان ليقوم , فلم يفعل. فتناومت عمدًا لينهض فلم يفعل , فاستويت جالسًا وقلت: يا فتى , ما صناعتك؟ فقال: جُعلت فداك! أنا حائك. فقلت في نفسي: أنا - والله - جلبت هذه البليّة , وتغير لوني , ففطِن أني استثقلْتُه , فقال: جعلت فداك! إنك قد سألتني عن صناعتي فأجبتك. فأنت ما صناعتك؟ فقلت: هذه - والله - أضرّ من الأولى. ألا ينظر إلى غلماني ونعمتي , فيعلمَ أنّ مثل هذا لا يُسأل عن الحِرفة. ولم أجد بدًا من الجواب , فلم أذهب إلى المرتبة العظمى من الوزارة , لكني قرّبتُ عليه , فقلت: أنا كاتب. فقال: جعلت فداك! الكُتَّاب خمسة. فأيُّهم أنت؟ فأورد عليّ ما لم أسمع به من قبلُ. فقلت: بيِّنْهم لي. قال: نعم. هم كاتب رسائلَ يحتاج أن يعرف المفصول والموصول , والمقصور والممدود , والابتداء والجواب , حاذقا ً بالعقود والفتوح. قلت: أجل. وماذا؟ قال: كاتب خراج يحتاج أن يعرف السطوح والمساحة والتقسيط , خبيرًا بالحساب والمقاسمات. قلت: وماذا؟ قال: كاتب قاض يحتاج أن يعرف الحلال والحرام , والتأويل والتنزيل , والمتشابه والحدود القائمة والفرائض , والاختلاف في الأموال والفروج , حافظًا للأحكام حاذقًا بالشروط. قلت: وماذا؟ قال: وكاتب جند يحتاج أن يعرف الحُِلى والشِّيَات. قلت: وماذا؟ قال: وكاتب شرطة يحتاج أن يعرف القصاص والجراحات , وموضع الحدود , ومواقع العفو في الجنايات. قلت: حسنٌ. قال: فأيُّهم أنت؟ فكنتُ متّكئًا فاستويت جالسًا متعجبًا من قوله , فقلت: أنا كاتب رسائل. قال: فإنّ أخًا من إخوانك واجبَ الحقِّ عليك معتنيًا بأمورك لا يغفل منها عن صغير ولا كبير يكاتبك في كل محبوب ومكروه , وأنت له على مثل ذلك , تزوجَتْ أمه؛ كيف تكتب إليه؟ أتهنِّيه أم تعزيه؟ قلت: أهنّيه. قال: فهَنِّه. فلم يتجه لي شيء. فقلت: لا أعَزِّيه ولا أهَنِّيه. فقال: إنك لا تغفل له عن شيء , ولا تجد بدًا من أن تكتب إليه. فقلت: أقِلْني , فأنا كاتب خراج. قال: فإن أمير المؤمنين وجَّه بك إلى ناحية من عمله , وأمرك بالعدل والإنصاف وأنّك لا تدع شيئًا من حق السلطان يذهب ضَياعًا , وحذَّرك الظلمَ والجَور , فخرجتَ حتى قدِمْتَ الناحيةَ , فوقفوك على قراح أرض خطه قابل قسيًا , كيف تمسحه؟ قلت: آخذ وسطه وآخذ طوله فأضربه فيه. قال: تختلف عليك العطوف. قلت: آخذ طوله وعرضه من ثلاثة مواضع. قال: إنّ طرفيه محدودان , وفي تحديده تقويس , وذلك يختلف. فأعياني ذلك. فقلت: أقِلْني , فأنا كاتب قاضٍ. قال: فإنّ رجلًا هلَك , وخلّف زوجة حرة وسُرِّيَّة حاملتين , فوضعتا في ليلة واحدة: وضعت الحرة جارية ووضعت السُّرِّيَّة غلامًا , فوُضعتِ الجارية في مهد السُّرِّيَّة , فلما أصبحتِ السرية قالت: الغلام لي , وقالت الحرة: بل هو لي. كيف تحكم بينهما؟ قلت: لا أدري , فأقلني , فأنا كاتب جند. قال: فإن رجلين من أصحاب السلطان أتياك اسمهما واحد , وأحدهما مشقوق الشفة العليا والآخر مشقوق الشفة السفلى , ورِزق أحدهما مِائَة والآخرِ ألفٌ. كيف تُحلِّيهما؟ قلت: فلان الأعلم وفلان الأعلم. قال: إذن يجيءَ هذا , ورزقه مِائة , فيأخذ الألف , ويجيءَ هذا , ورزقه ألف , فيأخذ المائة. قلت: أقِلني , فأنا كاتب شرطة. قال: فإنّ رجلين تواثبا , فشج أحدهما صاحبه موضِحَة , وشجّه الآخر مأمُومة , كيف يكون الحكم؟ قلت: لا أدري , فأقلني. قال: فقلت: إنك قد سألتني , فبيِّنْ لي. قال: نعم.
أما الذي تزوجت أمه فتكتب إليه: أما بعد , فإن الأمور تجري على غير مَحابِّ المخلوقين , والله يختار لعباده. فخار الله لك في قبضها إليه , فإن القبور أكرم الأكفاء. والسلام.
وأما القَراح من الأرض فإنك تمسح اعوجاجه , حتى تعلمَ: كم قبضةً تكون فيه؟ فإذا استوى في يدك عَقْد تعرفه ضربت طرفه في وسطه.
وأما الحرة والسرية فيُوزن لبنُهما , فأيُّهما كان لبنها أخفَّ فالبنت لها.
وأما المشقوق الشفة العليا فأعلمُ , والمشقوق الشفةِ السُّفلى فأفْلجُ.
وأما المأمومة ففيها ثلُث الدِّيَة. وهي ثلاث وثلاثون من الإبل وثلث.
وأما الموضحة ففيها خمس من الإبل.
فقلت: ألستَ تزعم أنّك حائك؟ فقال: أنا حائك كلام , لا حائك نِساجة. قال عمرو بن مسعدة: فأحسنتُ جائزته , واستصحبتُه معي حتى عدتُ إلى المعتصم , فسألني عمّا لقيتُ في طريقي , فقصصتُ عليه القصة , فأُعجِب به وقال: لِمَ يصلُح؟ فقلت: للعمائر. فقرَّره فيها وعلَتْ رتبتُه. فكنتُ ألقاه في الموكب النبيل فيترجَّل لي فأنهاه , فيقول: هذه نعمتك , وأنت أفدْتُها.