الفرخ: أنتِ لست أمًّا, فإن لسانك يقطر سُمًّا, ولا تصلحين أن تكوني أبًا ولا عمًّا, بل أنت كالضرَّة تزيد الهمَّ همًّا, وتضع فوق الغمِّ غمًّا.
الأم: أيها الولد العاقّ! قد غضبت عليك وعذابي بك حاق, يبدو أنك لن تسكت حتى أغرقك, أو في النار أحرقك.
الفرخ: ولكنك لا تستطيعين, لما تعلمين!
الأم: ما الذي ترسمه, وما الذي أعلمه؟!
الفرخ: كلُّ ما قلتيه في البازيِّ عندي مسجل, وتآمرك عليه إلى حينه مؤجل.
الأم -متمسكنة-: ولكنَّكَ لن تفعل ذلك معي وترميني في الأوحال, فأنا أبقى أمُّك على أيِّ حال.
الفرخ: كنت أمي عندما كنتِ على القانون المرسوم, والنظام المعلوم, أما وقد خالفتيه, وتنكبتيه, وغيَّرتيه, فلم يعد بيننا أي علاقة, وسأحاربك بكل ما أوتيت من طاقة.
الأم: من أين تأتي بكلِّ هذه الأعاجيب, وأين تعلمت كل هذه الأساليب؟
الفرخ: أنت من علَّمني فنَّ التجريح, وأن لا أهاب أحدًا بالتصريح, وها قد أتى عليك الدور لتشربي من كأسكِ الزُّعاف, وممن؟ من فرخك الذي لا يكلُّ ولا يخاف.
الأم -متأوِّهةً مخاطبةً نفسها-: آآه! يبدو أن خطأي بممالأتي لك هو الذي حرفك, لأنني لم أسمع كلام من عرفك.
الفرخ: وأنتِ من كان يقول لي: تكلَّم في كلِّ من خالف الحقَّ ولو كنتُ أنا القوَّال, وإياكَ أن تتبعني على ضلال.
فما بالك الآن تخالفين أقوالك, وتغيرين أفعالك؟
الأم: أيها الولد! ما أكثر إلزامك! وما أقلَّ احترامك!
الفرخ: لا تتعجَّبي! فكل ما عاد عليكِ, فإنه صنع يديكِ.
الأم -مذعنةً له إذعان العبيد-: فما الذي تريد؟
الفرخ: أن تكوني معي على قولي هذا الذي بنيتُه على أصولك أنتِ دون تفريق, أو فلتكوني ضمن ذلك الفريق.
الأم: خيبةً لك على الرِّيق! من تعني, وأي فريق؟
الفرخ: فريق المفرِّقين بين من أصوله صحيحة, وزلَّ في بعض المسائل متأوِّلًا أو مجتهدًا, وبين من أصوله فاسدة وأخطأ مصرًّا وقاصدًا.
الأم: ولكنَّ تلك الطيور مميِّعة, وللمنهج مضيِّعة, الضُّلالَ يزكُّون, والمبطلينَ يمدحون ..
الفرخ: بل منهجهم أعدل من منهجك غير المنضبط, وكلامهم لعلماء الطير وكبرائهم يعود ويرتبط.
الأم -متعجِّبة-: يا ويلي! لم أقنع بما كانوا لي يقولون, ولم أصدِّقهم حين قالوا: إنك مجنون, أما الآن فقد تبيَّن لي حالك, وظهرت لي أقوالك, وبانت لي أوحالك.
الفرخ: جنوني هذا كنت تعرفينه, ولكنك كنت تحامين عني وتكتمينه, فلن ينفعك اليوم هذه الدعوى, وقد بليت بي تلك البلوى.
الأم: فلم لا تمشي أنت معهم وترجع إليهم, وتأخذ من أقوالهم وتعوِّل عليهم؟
الفرخ: أنا قد رضيت لنفسي هذا الطريق, ولن أفرق -بعد اليوم- بين نسر وبطريق, حتى أفنيَ كلَّ ذي جناحين, ويبقى الناس يبحثون عنها أين أين؟ فأنا الآن لا أرى بعينيَّ عالمًا, بل ولا رجلًا من الزَّلل سالمًا, وسينال كلُّهم مني سهام الجرح الساحق, وألقيهم من أعلى صرح شاهق.
الأم: يبدو أنك قد بالغت في أخذك لهذه القواعد, وفي حكمك على الأقارب والأباعد!
الفرخ: لا تتعجَّبي, فهذا المنهج من عندكِ خرج, وعلى قواعده سار كلُّ فردٍ من الغلاة ودرج, فلئن كنت تُأثِّمينني, وبالظلم ترمينني, فكلُّ سيِّئة لي راجع مثلها إليك, وكلُّ هفوة مني عائدٌ عارها عليك.
الأم -نادمة-: حقًّا, لعلَّ رجوعي إلى ما ذكرتَ من منهج المعتدلين من الطير, علامة حسن خاتمة لي في آخر عمري وخير, ويبدو أن التجرِبة قد أثبتت -فعلًا- أن هذا المنهج نهايته وخيمة, وعاقبته أليمة, والتسلسل فيه لا ينتهي, والإلزام فيه لا ينقضي, وإن لم يتسلسل صاحبه اتُّهم بالكيل بمكيالين, وباللعب على الحبلين, وها هو يعود على أصحابه ومؤسِّسيه بالويل والثبور, ويرجع إليهم بعظائم الأمور, وأنت أمامي خير شاهد ومثال على ذلك, ومن سلك مثلك هذه المسالك, وهلك قبلك في هذه المهالك.
الفرخ -ضاحكًا متهكِّمًا-: آلآن آلآن! بعدما كان ما كان؟! وهل يُعرف ضلال المناهج بالتجربة أم بالبرهان؟
الأم -يائسة-: سيدي! هذا ما جرى وذلك ما حصل, ولا تلم أمًّا مثلي وصل حالها إلى ما وصل.
الفرخ -متحمِّسًا-: أما أنا فسأحمل رايتك, وأدرك غايتك, وأصنع ما عجزتِ عنه, وأَجسُر على ما هِبْتِ منه, وسأبقى أنهشُ اللحم, وأقدُّ الشُّحم, وأفتِّت العظم, وأقود فرقة الطاعنين والجارحين, وأجرِّد سيفي في رقاب الطير من العالمين.
الأم: إلى أين ستصل وإلى متى؟ يا أغبى فرخ وأضلَّ فتى؟
الفرخ: حتى أقف أمام ألواح المرايا, وأذمُّ نفسي بما فيها من سوءات وبلايا, متجرِّدًا من كل المشاعر, متمثِّلًا لنفسي قول الحطيئة الشاعر:
أَبَتْ شَفَتايَ اليَوْمَ إلاَّ تَكلُّمًا ... بِسُوءٍ فما أَدْرِى لِمَنْ أَنا قائِلُهْ
أَرَى لي وَجْهًا شَوَّهَ اللهُ خَلْقَهُ ... فقُبِّحَ مِن وَجْهٍ وقُبِّحَ حامِلُهْ
الأم: اعمل ما بدا لَك, فسيرى الله أعمالَك, أما أنا فقد تُبْت, ومن انحرافي القديم أُبْت, عياذًا بالله من حالِك, ولجوءًا إلى المولى من ضلالِك.
قال الرَّاوي -الذي عايش كلَّ تلك البلاوي-:
إذا تكلَّم البلهاء ..
وتفاصح السُّفهاء ..
وتصدَّر الغُثاء وأهلُ الغباء ..
واعتُديَ على الفصحاء ..
وعيبَ على البلغاء ..
وتُنُقِّص من الحكماء ..
واقتديَ بالجهلاء ..
وتُرك العلماء ..
فسلام على منهجنا ..
ووداعًا لدعوتنا ..
وكبَّر عليها أربعًا صباح مساء ..
[نزلت في منتديات {كل السلفيين} ، قبل ساعتين تقريبًا] .
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)