وهوالملعون عندهم، صياحهم عليه، وفراره منهم ... !!
2 -".... في شعار الواعظينا"
كلمة"الشعار"من المشترك اللفظي لها دلالات على:
أ- العلامة (في الحرب)
ب- الثوب (ما تَحْتَ الدِّثارِ من اللِّبَاسِ، وهو يَلِي شَعرَ الجَسدِ)
ج-الموت.
وقد لا نجد صعوبة كبيرة في حمل هذه المعاني الثلاث -رغم اختلافها وضعا-على قصة الثعلب:
أ-فالثعلب لم يخرج في نزهة، بل خرج محاربا، فهو قناص: ذو خطة، واستراتيجية، وهدف ... وهي مقومات كل خائض لمعركة.
ب-والثعلب مخادع يخفي حقيقته -شعر جلده-في ثوب.
ج-الثعلب جاء حاملا للموت، فليس له عن الاغتيال محيد!
يراهن الحيوان الماكرعلى الزي لإخفاء شخصية وإظهار أخرى .. وفي وسعنا أن نتلمس هنا تناصا -أي تداخلا في النصوص فنقرأ نصا خلف نص- فيحيل التعبير العربي على التعبير الفرنسي: L'habit ne fait pas le moine (اللباس لا يصنع واعظا) ..
(والتناص المفترض له أكثر من مسوغ .. فأمير الشعراء كان متقنا للغة الإفرنج،وأمثاله الشعرية تعكس تاثيرا واضحا للفرنسي"لا فونتين"الذي له تفوق مشهود في مضمار الحكم والامثال المنظومة .. وله قصيدة عن"الحمار الذي لبس شعار الأسد"..)
3 -"فمشى في الأرض"
تاريخ الثعالب لا يمكن أن يلغى هكذا، ب"جرة ذيل ملبس"، ... وصورة الثعلب، الماكر المحتال، المنقوشة في أذهان الناس عبر الزمن، لا يمكن أن تبهت بين ليلة ويوم ... فلا بد من إقناع الناس بالشخصية الجديدة ..
فكان تعبير الشاعر البليغ:
فمشى"في الأرض"
فكأن الثعلب يجوس الأرض كلها عارضا صورته الجديدة ... وليشهده أكبر عدد ممكن من بني آدم!
4 -".. يهذي .."
الهذيان كلام لكنه لازم غير متعد، له معنى لكنه نفسي غير اجتماعي، كاشف عن اضطراب في الذهن وحمى في الجسد لكنه عاطل من المعنى عند المخاطب ..
ومن الهذيان كان منبت الخطة المحكمة!
فالهذيان يكشف عن نفس مضطربة، قلقة، أهي لسعات وخز الضمير، والتكفير عن جرائم الماضي!
أم أن الثعلب قد توغل في عالمه الداخلي عميقا حتى تقطعت كل أسبابه بعالم الناس وعلى رأسها اللغة .. فأضحت هذيانا لا يعول عليه لربط الداخل بالخارج!
شعار الواعظ، وتمتمة الزاهد، وهذيان الصوفي ... هي علامات الرغبة عن الدنيا .. وهي أعظم حجة لاقناع كل جاحد .. فإن الإنسان لينظر شزرا إلى كل منافس له على الدنيا وإن أظهر له الود، ويهش لكل من يدع له الدنيا وإن أبدى له الجفاء!
5 -"ويسب الماكرينا ... ياعباد الله توبوا"
غمغمة الأوراد والانقطاع عن دنيا الناس تحسن صورة الثعلب لكنها لا تحقق له مأربا .. فلا بد من سياسة"المرحلية"وكياسة"التدرجية".. فقد آن للدرويش أن يتطور إلى مصلح .. ألم يبرهن على تزكية بيته، ويثبت انشغاله بخويصة نفسه؟ ... فإن توجه الآن إلى إصلاح مجتمعه فقد حق له ذلك .. وليس في السلوك ما يريب ..
6 -ويقول:الحمد لله إله العالمينا
يا عباد الله توبوا فهو كهف التائبينا
وازهدوا في الطير إن العيش عيش الزاهدينا
واطلبوا الديك يؤذن لصلاة الصبح فينا
خطبة حصيف متأن بليغ: حمد،وأثنى، ونادى، ووعظ،وبشر، وأمر , ونهى،وعلّم،وعلّل، وعمّم،وخصص، وطلب،وبيّن ...
وما كانت خطبته بالبتراء!!
ولم يطلب الديك إلا بعد أن مهد له تمهيدا ... حتى إن المرء الحذر الشاك بطبعه لينسى أمام سلاسة الأفكار أن الطالب"ثعلب"والمطلوب"ديك"!
انظر كيف نادى بالتوبة العامة أولا ..
ثم نادى بالتوبة الخاصة من اغتيال جنس الطيرثانيا .. (هل قرأ الثعلب لزوميات المعري!)
ثم طلب فردا من الطير، مع مهارة عجيبة في التمويه، فالديك ليس جسما يؤكل، بل صوتا يؤذن .. !!
وكل شيء مغمور بنور التدين والتقوى:
فالخطبة مستهلة بحمد الله،وموضوعها المجمل الدعوة إلى الرجوع إلى الله،ومقصدها المفصل استدعاء الديك ليؤذن في الناس صلاة لله ... فأنى يجد الخناس له مكانا في دائرة هذا النور المشع!!
وينتهي المقطع بنصب شرك محكم انخدع له الناس، فكان من دهائه ومن غفلتهم أن أرسلوا، فعلا،مبعوثا إلى الديك .. استجابة لإمام الناسكينا .. فهل من منقذ لريش الضحية من فك الجلاد!!
7 -فأتى الديك رسول من إمام الناسكينا
عرض الأمر عليه وهو يرجو أن يلينا
فأجاب الديك:عذرا يا أضل المهتدينا
بلغ الثعلب عني عن جدودي الصالحينا
عن ذوي التيجان ممن دخل البطن اللعينا
مخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا ..
لله در هذا الديك إذ يقول:
"عني"،"عن جدودي"،"عن ذوي التيجان"
ونحن نقول لا تضر"العنعنة"مادام المحدث عدلا ثقة،لم يعرف بتلبيس أو تدليس!!
وسلسلة الإسناد هي من الذهب الخالص، مدارها على الصلحاء والزعماء والأمراء والملوك ذوي التيجان!!
وليس في المتن أدنى علة قادحة،فما ترى في قولهم:
"مخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا"؟
هي الحكمة، ليست رياضة ذهنية يقولها مترفون في الكلام، ومزخرفون في التعبير .. بل هي نتاج تجربة مريرة،شهد فصولها التاريخ، وتكررت على مضي الأعوام، ومحصتها الخبرة ... وصاغها الحكماء وأذاعوها .. لكن من أين؟
من داخل بطن الثعلب نفسه ....
وليس الخبر كالعيان!
لم ينقذ رأس الديك إلا تاريخ السلف، و منهج المحدثين!!
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)