وهذه المذهب إن كان سائغا في بلاغة أبي تمام،المبنية على التخطيط الذهني، فإنه في نظرنا لا يجوز أن تحمل عليه الآية .. لأن مقصدها هو البيان، والبيان لا يتحقق بشيء مثل تشبيه الساطع بالخافت، والمنشور بالمطوي، والشاسع بالمحصور .. فلا يستقيم في السليقة أن يشبه النور- المضاف إلى الله! - (كواكب وشموس ومجرات ...) بمصباح في مشكاة!!
لا مناص إذن من تأويل النور بالمعنوي، ليكون التشبيه على المهيع الصحيح ...
وقد قال جمهرة من المفسرين أن المراد بالنور"القرآن"أو"الهدى".. فيستقيم التشبيه، حينئذ، إذ يكون مخرجا ما لا يقع عليه الحس إلى الواقع عليه، وما يفهم بالذهن إلى ما يتصور بالمخيلة،وهذا هو المستحق لاسم البيان فعلا.
فلا تكون الآية قد شبهت في جنس واحد الأكثر بالأقل-كما زعم أبو تمام-بل عقدت صلة ليس بين جنسين مختلفين فقط بل متضادين تضاد المعقول والمحسوس.
وهذا أوان الكشف عن سمو بيان التشبيه:
لنلحظ أولا أن أداة التشبيه لم تدخل على المصباح،كما هو متوقع، بل على المشكاة ..
قال العلامة ابن عاشور:
"وقوله: {كمشكاة فيها مصباح} المقصود كمصباح في مشكاة. وإنما قُدم {المشكاة} في الذكر لأن المشبه به هو مجموع الهيئة، فاللفظ الدال على المشبه به هو مجموع المركب المبتدىء بقوله: {كمشكاة} والمنتهي بقوله: {ولو لم تمسسه نار} فلذلك كان دخول كاف الشبه على كلمة {مشكاة} دون لفظ {مصباح} لا يقتضي أصالة لفظ مشكاة في الهيئة المشبه بها دون لفظ {مصباح} بل موجب هذا الترتيب مراعاة الترتيب الذهني في تصور هذه الهيئة المتخيلة حين يلمح الناظر إلى انبثاق النور ثم ينظر إلى مصدره فيرى مشكاةً ثم يبدو له مصباح في زجاجة".اه
لكن تعليله لموجب الترتيب فيه نظر من جهتين:
فالترتيب -ليصح تعليله- يجب أن يكون مكانيا لا ذهنيا، حيث ينتقل من المحتوي إلى المحتوى ..
لكنه زعم أن الترتيب"نفسي"أي من جهة إدراك المتلقي .. وبهذا الاعتبار كان من حق المصباح أن يذكر أولا،لا المشكاة،لأن الراصد يلمح أولا النور، ثم ينتقل بعدها إلى محيط النور، فكان الأولى أن يقال"كمصباح في مشكاة"لا العكس .. وفي عبارته -رحمه الله -قلق واضطراب فقد قال"يلمح الناظر إلى انبثاق النور ثم ينظر إلى مصدره فيرى مشكاةً ثم يبدو له مصباح في زجاجة".
لا شك أن انبثاق النور هو المصباح نفسه، فكيف جعل الشيء متقدما على نفسه!!
على كل حال فإننا نرى أن دخول الأداة على المشكاة بالقصد الأول لا الثاني ..
فالمراد أصلا التنبيه على"المحفوظية"فهو نور محفوظ أولا، متلأليء بعد ذلك .. على قاعدة التخلي قبل التحلي ..
فالمصباح محروس بحافظين:المشكاة والزجاجة ... أي"حفظ في حفظ"الموازي ل"نُّورٌ عَلَى نُورٍ"المذكور بعدها في معرض بيان التوقد والإشعاع ..
ولنلحظ تلك الوظيفة الدلالية المزدوجة لوسيط"الزجاجة":فهي حافظة مباشرة للمصباح،من غير أن تعرقل انبثاق الضوء وانتشاره،بل هي في التوقد زيادة،وفي الإنارة إضافة، ألم تر كيف شبهت هي نفسها بكَوْكَبٌ دُرِّيٌّ"!"
فهل تملك الرياح شيئا أمام هذا المصباح المحفوظ في الأرض المتوقد في السماء!
أفلم ييأس الذين يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم!!
إن فذلكة التمثيل"نُّورٌ عَلَى نُورٍ"ليرشدنا إلى معنى ثالث، فتكون النتيجة ثلاث مواصفات لنور الله:
-هو نور محفوظ،
-وهو نور ساطع،
-وهو نور خالص،
والفذلكة تؤكد المعنى الثاني والثالث معا ..
ف"نور على نور"تعني تراكب النور مما يكسبه قوة بعد قوة ..
كما تعني أنه ليس ثمة إلا النور فهو خالص من أي شائبة .. وقد عبر البيان المعجز عن هذا المعنى بذكر وقود المصباح لأنه لا يتصور في التخيل انبثاق الضوء من المصباح إلا بتصور استمداد ما ... فجعل التمثيل الاستمداد من زيت الشجرة المباركة .. لكن هذا الزيت ليس أجنبيا عن المصباح بل هو من جنسه"يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار"فليس ههنا إلا النور الخالص أي"نورعلى نور"!!
بقيت كلمة عن وصف الشجرة بكونها لا شرقية ولا غربية:
فقد روى الطبري جملة من الأقوال في توجيه نفي الوصفين:
-فقال بعضهم: إنما قيل لهذه الشجرة: لا شرقية ولا غربية: أي ليست شرقية وحدها حتى لا تصيبها الشمس إذا غربت، وإنما لها نصيبها من الشمس بالغداة ما دامت بالجانب الذي يلي الشرق، ثم لا يكون لها نصيب منها إذا مالت إلى جانب الغرب، ولا هي غربية وحدها، فتصيبها الشمس بالعشيّ إذا مالت إلى جانب الغرب، ولا تصيبها بالغداة، ولكنها شرقية غربية، تطلع عليه الشمس بالغداة، وتغرب عليها، فيصيبها حرّ الشمس بالغداة والعشيّ، قالوا: إذا كانت كذلك، كان أجود لزيتها.
-وقال بعضهم: هي التي بشقّ الجبل، التي يصيبها شروق الشمس وغروبها، إذا طلعت أصابتها، وإذا غربت أصابتها.
-وقال غيرهم: هي شجرة وسط الشجر، ليست من الشرق ولا من الغرب.
-وقال الحسن: هذا مثل ضربه الله، ولو كانت هذه الشجرة في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية.
ونحن نرى -والله أعلم-أن الشرق والغرب جهتان نسبيتان،تتحددان بموقع الراصد ضرورة، مثل اليمين والشمال .. فيكون نفي الجهتين عن الشجرة المباركة إشارة إلى أصالتها وعدم افتقارها إلى معيار خارج عنها، يتحدد موقعها بالنظر إليه ... بل هي المعيار نفسه الذي يحدد مواقع الأشياء بالنسبة إليها .. وليس إلا هذا الاعتبار يليق بنور الله الحاكم غير المحكوم!!