الأولى: أنْ يكونَ التَّابع مفردًا، معرِفةً، مُعرَبًا، والمتبوع منادًى، نحو:"يَا غُلامُ يَعْمُرَا"؛ فيتعيَّن أنْ يكون"يعمرا"عطف بيان، ولا يجوز أنْ يكون بدلًا؛ لأنَّ البدل على نيَّة تكرار"يا"؛ فكان يجب بناء"يعمرا"على الضَّمّ؛ لأنَّه لَوْ لُفِظَ بـ"يا"معه لكان كذلك.
الثَّانية: أنْ يكون التَّابع خاليًا من"أل"والمتبوع بـ"أل"، وقد أضيفَتْ إليه صفةٌ بـ"أل"، نحو:"أنا الضَّاربُ الرَّجلِ زَيْدٍ"؛ فيتعيَّن كون"زيدٍ"عَطْفَ بيانٍ، ولا يجوز كونه بدلًا من"الرّجل"؛ لأنَّ البدل على نيَّة تكرار العامل؛ فيلزم أنْ يكون التّقدير:"أنا الضَّاربُ زَيْدٍ"، وهو لا يجوز؛ لِما عَرَفْتَ في"باب الإضافة"من أنَّ الصِّفة إذا كانتْ بـ"أل"لا تُضافُ إلاَّ إلى ما فيه"أل"، أوما أُضيفَ إلى ما فيه"أل".
ومثل:"أنا الضَّاربُ الرَّجلِ زَيْدٍ"قولُه:
أنا ابنُ التَّارِكِ البَكْريِّ بِشْرٍ * عَلَيْهِ الطَّيْرُ تَرْقُبُهُ وُقوعًا
فـ"بشر"عطف بيان، ولا يجوز كونه بدلًا؛ إذ لا يصح أنْ يكون التَّقدير:"أنا ابن التَّارِكِ بِشْرٍ".
وأشار بقوله:"وَلَيْسَ أنْ يُبْدَلَ بِالمَرْضِيِّ"إلى أنَّ تجويز كون"بِشْرٍ"بدلًا غير مرضيٍّ، وقَصَدَ بذلك التَّنبيه على مذهب الفرَّاء والفارسيِّ) انتهى.
وفي"النَّحو الوافي":
(وفي صلاحية عطف البيان لأنْ يكون"بدلَ كلٍّ مِن كلٍّ"يقول ابن مالكٍ:
وصَالِحًا لِبَدَلِيَّةٍ يُرَى * في غَيْرِ نَحْوِ:"يَا غُلامُ يَعْمُرَا"
ونَحْوِ"بِشْرٍ"تابِعِ"البَكْرِيِّ"* وَلَيْسَ أنْ يُبْدَلَ بِالمَرْضِيِّ
يريد: أنَّ عطف البيان يصلح للبدليَّة في غير الصّورة الَّتي تشبه في تركيبها:"يَا غُلامُ يَعْمُرَ" (عَلَم شخص، والألف الأخيرة زائدة للشِّعر) ؛ حيث وقعَتْ"يعمر"منصوبة؛ مراعاةً لمحلّ المنادى المبنيّ على الضَّمِّ في محلّ نصب. فَلَوْ أعربت:"يعمر"بدلًا؛ لكان التَّقدير:"يا غلامُ يا يعمرَ"؛ على نية تكرار العامل؛ فتنصب الكلمة، مع أنَّ نصبها مع ندائها غير جائز؛ فيتعيَّن إعرابها عطف بيان.
ويُشير إلى المسألة الثّانية بكلمة"بِشْر"التَّابعة لكلمة"البَكْريّ"في قول الشَّاعر المرار الفَقْعسيّ:
أنا ابنُ التَّارِكِ البَكْريِّ بِشْرٍ * عَلَيْهِ الطَّيْرُ تَرْقُبُهُ وُقوعًا
فالتابع هو"بِشْر"، والمتبوع هو"البَكْرِيِّ"المضاف إليه المقترِن بـ"أل"، والمضاف الَّذي إضافته غير مَحْضة هو"التّارِك" (من إضافة الوصف لمفعوله) ؛ فيتعيّن إعراب"بِشر"عطف بيان؛ إذْ لَو أُعْرِبَتْ بدلًا؛ لكانَ التقدير على نيَّة تكرار العامل هو:"أنا ابنُ التَّارِكِ البكريِّ، التَّارِكِ بِشْرٍ"؛ فيُضاف الوصف المقرون بـ"أل"إلى غير المقرون بها وغير الصَّالح هنا، وأن يكون مضافًا إليه، وهذا غير جائز في الإضافة غير المحضة؛ فيتعيَّن إعراب"بِشْرٍ"عطف بيان) انتهى"بتصرّفٍ يسيرٍ جدًّا".
وأخيرًا: أختمُ بما قالَه ابن هشامٍ - رحمه الله - في"قطر النَّدى":
(ويُعرَب [أي: عطف البيان] بَدَلَ كلٍّ مِن كلٍّ إنْ لَمْ يَمْتَنِعْ إحلاله محلَّ الأوَّل، كقوله:
* أنا ابنُ التَّارِكِ البَكْرِيِّ بِشْرٍ *
وقوله:
* أيَا أَخَوَيْنا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلا *) انتهى.
وقال في"شرح القَطْر":
(وبيانُ ذلك في [البيت] الأوَّل أنَّ قوله:"بِشْر"عطف بيانٍ على"البَكْرِيّ"، ولا يجوز أنْ يكونَ بدلًا منه؛ لأنّ البدل في نيَّة إحلاله محلّ الأوَّل، ولا يجوز أنْ يُقال:"أنا ابن التَّاركِ بِشْرٍ"؛ لأنَّه لا يُضافُ ما فيه الألف واللام نحو"التَّارك"إلاَّ لِما فيه الألف واللام نحو"البَكريِّ"، ولا يُقال:"الضَّارب زيدٍ"...
وبيانُ ذلك في البيت الثَّاني أنَّ قوله:"عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلا"عطف بيانٍ على قوله:"أَخَوَيْنا"، ولا يجوز أنْ يكون بدلًا؛ لأنَّه حينئذٍ في تقدير إحلاله محلَّ الأوَّل؛ فكأنَّكَ قُلْتَ:"أيا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلا"، وذلك لا يجوز؛ لأنَّ المنادَى إذا عُطِفَ عليه اسمٌ مجرّدٌ من الألف واللام؛ وَجَبَ أنْ يُعطى ما يستحقّه لو كان منادى، و"نوفلا"لو كان منادى لقيلَ فيه:"يا نَوْفَلُ"بالضَّمِّ، لا"يا نَوْفَلا"بالنَّصب؛ فلذلك كان يجب أنْ يُقالَ هنا:"أيَا أَخَوَيْنا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلُ") انتهى.