ـ [أبو محمد يونس المراكشي] ــــــــ [02 - 05 - 2014, 04:40 م] ـ
المطلب الثاني: حكم اتباع الرسم العثماني.
نخلص إذن إلى أنه يجب اتباع الرسم العثماني ولا تجوز مخالفته، ويترجح هذا الرأي بإجماع الصحابة ومن بعدهم على كتابة المصاحف على هذه الهيئة المعلومة، وعلى رفض ما سواها، فلا يُعتبَر بعد إجماع أهل القرون الأولى خلاف من خالف بعد ذلك، ولا يجوز خرق إجماعهم؛ لأن الإجماع لايُنْسَخُ.
ويؤيد ذلك أن الرسم الإملائي اصطلاح، والاصطلاح قد يتغير مع تغير الزمان، كما أن قواعد الإملاء تختلف فيها وجهات النظر، فيؤدي ذلك إلى التحريف والتبديل في كلام الله.
فلو أن أهل كل زمانٍ اصطلحوا في كتابة المصاحف على اصطلاح يناسب ما يألفونه من قواعد الإملاء، ثم أتى جيلٌ بعدهم فاصطلح على اصطلاح آخر يناسب ما استجدَّ من القواعد، وانقطعت صلة الأجيال المتتابعة بالمصاحف التي كتبهاالصحابة، لو حدث ذلك لوصلنا خلال عقود قليلة إلى نصٍّ مشوَّهٍ من القرآن، وحينئذ لن يستطيع الناس تَمييز القراءة الصحيحة من غيرها، ويؤدي ذلك إلى تحريف كتاب الله، ويحصل الشكُّ في جميعه.
فهذا الرسم العثماني هو أقوى ضمان لصيانة القرآن من التغيير والتبديل. (1)
ومِمَّا يؤيد الرأي القائل بالتوقيف العلاقة الواضحة بين هذا الرسم العثماني، وبين القراءات القرآنية المتواترة، يدرك هذا من كان له أدنى معرفة بعلم القراءات، إذ يلاحظ بوضوح أن الصحابة عندما خالفواالقياس في الخط، إنَّما كان ذلك لِمقاصد تتعلق بِما ثبتت روايته عن النَّبِيّ من أوجه القراءة في العرضة الأخيرة، فكتبوا في الفاتحة: {ملك يوم الدين} ، (2) دون ألف في (ملك) لتحتمل الوجهين من القراءة بالألف (مالِكِ) ، وبدونِها (مَلِكِ) .فهل يُعَدُّ مثل هذا الرسم مُخالفًا لقياس أهل صناعة الخط؟!
وكذلك كتابتهم تاء التأنيث بالتاء المفتوحة في بعض المواضع نحو (امرأت) ،و (رحمت) ، و (نعمت) ، فيقف عليها جمهور القراء بالتاء، ولو كتبت بالهاء المربوطة، لَتَغَيَّرَ حكمُ الوقف عليها. (3)
بهذا نخلص إلى أن الصحابة خالفوا قواعد الإملاء لا جهلا بتلك القواعد، ولكن لأن رسم المصحف توقيفي واجب الإتباع ولا تجوز مخالفته.
(1) مباحث في علوم القرآن، مناع القطان،ص 146.
(2) سورة الفاتحة الآية 4
(3) ينظر طيبة النشر في القراءات العشر،أبو الخير محمد بن محمد الدمشقي
الشهير بابن الجزري،دار الكتب العلمية،بيروت- لبنان،ص (2/ 320 - 321) ..
ـ [أبو محمد يونس المراكشي] ــــــــ [02 - 05 - 2014, 04:41 م] ـ
عرفنا فيما سبق أن الرسم القرآني يخالف الإملاء في بعض القواعد،وقلنا إن سبب ذلك ليس هو جهل الصحابة بتلك القواعد كما زعم البعض،ولكن لأن الرسم توقيفي لا تجوز مخالفته بحال.
وبما أن القرآن كتب بهذه الطريقة فقد حاول العلماء تقديم بعض التعليلات لمخالفة الرسم للمألوف من قواعد الإملاء،وهذا ما سنقف عليه في المبحث القادم.
المبحث الثالث: تفسير ظاهرة زيادة الألف في {لن ندعوا} وفيه مطلبان:
المطلب الأول:الأسس التي يقوم عليها هذا التفسير.
إن المتتبع لتعليلات العلماء المتنوعة لبعض كلمات الرسم العثماني يجد أن هذه التعليلات قائمة على الاستئناس والتمليح لا غير لأنها لم توضع الا بعد انقراض الصحابة رضى الله عنهم، وهم قد كتبوا المصحف بهذا الرسم لحكمة لم نفهمها وإشارة لم ندركها من غير أن ينظروا إلى العلل النحوية أو الصرفية التى استنبطت بعدهم. (1) والحقيقة التي يجب علينا معرفتها هي أن كل هذه التعليلات التى ذكرها العلماء من الزيادة والحذف في بعض كلمات القرآن لا تغني شيئا، والحقيقة الوحيدة المسلمة هي أن هذا الرسم وصل إلينا عن الصحابة الذين كتبوا القرآن الكريم هكذا،ولم ينكشف سر ذلك لأحد والله سبحانه علام الغيوب.
المطلب الثاني:تفسير زيادة الألف في لن ندعوا.
يجب أولا أن نعلم أن الأصل في قواعد الإملاء هو زيادة الألف بعد واو الجمع المتصلة بالفعل،أما في الرسم القرآني فإن الأمر يختلف حيث تزاد الألف بعد كل واو تطرفت في نهاية الكلمة،وقد حاول العلماء تقديم تعليلات لهذه الزيادة،ولكن كما قلنا فإن هذه التعليلات إنما هي على سبيل الإستئناس لا غير،ومن هؤلاء العلماء ابن البناء المراكشي في كتابه عنوان الدليل من مرسوم خط التنزيل الذي قال فيه رحمه الله (2) :(فصل في الألف الزائدة:
وهي على ثلاث أضرب: ضرب تزاد من أول الكلمة.
وضرب تزاد فيه من آخرها.
وضرب تزاد فيه من وسطها.)
ثم بدأ يقدم تعليلا لزيادة الألف بعد الواو فقال (3) : (والضرب الثاني الذي تزاد فيه من آخر الكلمة.
هذا يكون باعتبار معنى خارج عن الكلمة فحصل في الوجود مثل زيادتها بعد الواو في الأفعال مثل (يَرجوا) (وَيَدعوا) وذلك أن الفعل"أثقل"من الإسم لأن الفعل يستلزم معناه فاعلا بالضرورة فهو جملة في الفهم منقسمة قسمين، والاسم مفرد لا يستلزم غيره. فالفعل أزيد من الإسم في الوجود، والواو أثقل حروف المد واللين، والضمة أثقل الحركات والمتحرك أثقل من الساكن وكل ذلك حاصل في الوجود يجده كل إنسان من نفسه ضرورة. وأصل يرجو يرجُوُ اجتمع الفعل والواو والضمة وحركة الواو. فخففت الواو بالسكون لأنها في محل الوقف آخر الكلمة. وبقي ثقل الفعل والحرف فزيدت الألف تنبيها على هذا"الثقل"الذي هو للجملة بالنسبة إلى الإسم المفرد الذي هو شيء خارج عن الفعل ولازم عن فهم الفعل بعده وفي الاعتبار. وكلاهما ظاهر في العلم فلذلك زيدت الألف من آخر الكلمة.) انتهى.
ولكن العلماء المعاصرين لا يقبلون مثل هذه التعليلات لأنها في رأيهم مبنية على الظن والتخمين ولا ترتقي لمستوى العلمية،والشيء الوحيد الذي يسلمون به هو أن المصحف كتب هكذا لحكمة لم نفهمها وإشارة لم ندركها.
ومنهم من ذهب إلى أنهم ورثوه هكذا عن الكتابة النبطية (4) .
(1) ينظر تاريخ القرآن الكريم،محمد طاهر الكردي، ص 179.
(2) عنوان الدليل من مرسوم خط التنزيل، ابن البناء المراكشي،ص 6.
(3) المصدر نفسه، ص 6.
(4) ينظر رسم المصحف دراسة تاريخية لغوية،غانم الحمد، دار عمار، ص 61
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)