فهرس الكتاب

الصفحة 4735 من 12621

وكان بعض السلف يقول: «احذروا دار الدنيا، فإنَّها أسحر من هاروت وماروت، فإنَّهما يفرِّقان بين المرء وزوجه، والدنيا تفرِّق بين العبد وربِّه» .

قال المال: ألم تر أن الله عز وجل قد جعلني زينة الحياة إذ قال: {المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} .

قال العلم: لكن ألم تقرأ بقية الآية: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًَا وَخَيْرٌ أَمَلًا} ، ثم إنه قال عن المال: {زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} فهو زينة وليس (قيمة) .

وقد رغَّب الله عز وجل في الازدياد من العلم فقال: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًَا} أما عن المال فقد قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ} ، وقال: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} .

قال المال: إذا كان الأمر كما تقول، فلماذا إذن امتنَّ الله تعالى على نبيِّه صلوات الله وسلامه عليه بقوله: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} ، وامتنَّ على قومه بتوفيقهم للتجارة الواسعة برحلة الشتاء والصيف، وامتنَّ الله به على عباده إذ قال: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا} ، وقال ممتنًا على بني إسرائيل: {وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} ، فلو لم تكن الأموالُ خيرًا ونعمة عظيمة لما امتنَّ الله بها على عباده.

وجعلَ اللهُ تعالى استخراجَ الكنز للغلامين رحمةً منه سبحانه فقال: {وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} ، وقال نوح لقومه داعيًا لهم إلى الإيمان بالله والرجوع إليه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًَا} ، وبيَّن عاقبةَ ذلك في الدنيا قبل الآخرة فقال: {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} ، وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} .

ونبيُّ الله سليمان عليه الصلاة والسلام دعا ربَّه فقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًَا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} ، ولم يلمه ربه على ذلك بل استجاب له وكان له ما أراد، {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ. وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ. وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ. هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} .

فليس الزُّهد فَقْد المال وإنما الزُّهد: فراغ القلب منه، فقد كان سليمان عليه السلام في ملكه من الزاهدين.

ومن هنا قال الإمام ابن القيم: «فمتى كان المال في يدك وليس في قلبك لم يضرك ولو كثر، ومتى كان في قلبك ضرَّك ولو لم يكن في يدك منه شيء» .

وقد وَعَدَ الله سبحانه بالرِّزق الوفير لمن آمن واتقى فقال: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} ، وقال: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) متفق عليه.

وفي مقابل ذلك جعلَ اللهُ تعالى المنع والحرمانَ عاقبة لمن ظلم نفسَه، فقال: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًَا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} .

وقال عليه الصلاة والسلام: (لاَ يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهوَ غَضْبَانُ) متفق عليه، وقد قاس عليها الفقهاء: لا يقضي القاضي وهو جوعان، أو عطشان؛ لأنها انفعالاتٌ تؤثِّر على حُكْمه.

قال أحدهم:

إذا قلَّ مالُ المرءِ قلَّ صفاؤُهُ ... وضاقتْ عليه أرضُهُ وسماؤُهُ

وأصبحَ لا يدري وإنْ كانَ حَازمًا ... أقُدَّامه خيرٌ له أمْ وَرَاؤُهُ

وقال آخر: إنَّ النفس إذا أحرزت قوتها ورزقها اطمأنت.

وكان يقال: لا تشاور صاحب حاجة يريد قضاءها ولا جائعًا.

(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت