فهرس الكتاب

الصفحة 4740 من 12621

ومن مأثور الحِكَم:(ولا تحزن لقلة المال، فإنَّ الرجلَ ذا المروءة قد يُكرم على غير مال، كالأسد الذي يُهاب وإن كان رابضًا، والغني الذي لا مروءة له يُهان وإن كان كثيرَ المال، كالكلب لا يُحفَلُ به وإن طُوِّق وخُلخِل بالذهب، فلا تَكبُرَنَّ عليك غربتك، فإنَّ العاقلَ لا غربةَ له، كالأسد الذي لا ينقلب إلا ومعه قوَّته.

وقد قيل في أشياء ليس لها ثباتٌ ولا بقاء: ظل الغمامة في الصيف، وخلة الأشرار، والبناء على غير أساس، والمال الكثير، فالعاقل لا يحزن لقلته، وإنَّما مالُ العاقل: عقلُه، وما قدَّم من صالح، فهو واثق بأنه لا يُسْلَب ما عمل).

وقال الزبير بن أبي بكر كتب إلي أبي بالعراق: عليك بالعلم فإنك إن افتقرت كان لك مالا، وإن استغنيت كان لك جمالا.

وخطب اثنان إلى حكيم ابنته، وكان أحدهما غنيًا والآخر فقيرًا، فاختار الفقير، وسأله الاسكندر عن ذلك فقال: لأنَّ الغني كان جاهلًا فكنت أخاف عليه الفقر، والفقير كان عاقلًا فرجوت له الغنى.

وكم رفعَ الناسُ مِنْ قيمة مَنْ لا يزن عند الله شيئًا، واستهانوا ولم يبالوا بمَنْ هو خير من ملء الأرض ممن رفعوه، حتى قال ابن الرومي:

رأيتُ الدَّهرَ يرفع كلَّ وغدٍ ... ويخفض كلَّ ذي شيمٍ شريفهْ

كمثلِ البحر يغرق فيهِ حيٌّ ... ولا ينفكُّ تطفو فيهِ جيفهْ

وكالميزانِ يخفضُ كلَّ وافٍ ... ويرفعُ كلَّ ذي زنَةٍ خفيفهْ

وقال الآخر:

يا ذا الذي بصروف الدهر عيَّرنا ... هل عاند الدهر إلا مَنْ له خَطَرُ

أما ترى البحرَ يطفو فوقه جِيَفٌ ... ويستقرُّ بأقصى قاعه دُرَرَ

إنَّا وإنْ عبثتْ أيدي الزمان بنا ... ومسَّنا مِنْ تمادي بؤسه ضَرَرُ

ففي السماء نجومٌ ما لها عَدَدٌ ... وليسَ يُكسَفُ إلا الشمسُ والقمرُ

فكثرة المال والبنين لا تدل على رفعة صاحبه عند الله عز وجل فقد قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ. نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} ، وقال: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} ، وقال: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} .

وجعل اللهُ قيمةَ الرجل بما في قلبه من التقوى إذ قال: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} ، وقد بيَّن رسولُ الله أنَّ الله عز وجل يعطي المال والدنيا لمن يحبه الله ولمن لا يحبه، أما الدِّين فلا يعطيه الله إلا لمن أحبَّه، فقد قال: (إِنَّ اللهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ، كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللهُ الدِّينَ، فَقَدْ أَحَبَّهُ) رواه أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك.

إنَّ رفعةَ العلمِ وشرفَه هي التي جعلت الإمام سعيد بن المسيب رحمه الله يرفض أن يزوج ابنته لابن الخليفة عبد الملك ويزوجها إلى الطالب النجيب في حلقة درسه ابن أبي وداعة، الذي كان فقيرًا في دنياه ولكنه غني بمولاه، لم يستجب ابن المسيب إلى كل المغريات التي عرضها عليه الخليفة بل رفضها رفضًا باتًا، لأنه يعلم أن ابنته أمانة عنده، فلن يزوجها إلا لمن يرتضي دينه وخلقه ولو كان لا يملك من الدنيا شيئًا ..

وقد قال ابن المسيب لرسول الخليفة بعد أن رغَّبه بثواب الخليفة من مال ومتاع ورهَّبه من بطشه إن لم يستجب إلى طلبه: (قد روينا أن هذه الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فانظر ما جئتني أنت به، وقِسْه إلى هذه الدنيا كلِّها، فكم -رحمك الله- تكون قد قسمتَ لي من جناح البعوضة؟!)

هذه هي عزة المؤمن التي لا تلقي بالًا للدنيا كلِّها، وهكذا يفلح مَنْ وزن الأمورَ بميزان الله وليس بميزان الناس.

ولقد صدق الأديب مصطفى الرافعي إذ قال:

إنَّ المعارفَ للمعالي سُلَّمُ ... وأولو المعارفِ يجهدون لينعموا

والعلمُ زينةُ أهلِهِ بينَ الوَرَى ... سِيَّان فيه أخو الغِنى والمعدمُ

فالشمسُ تطلعُ في نهارٍ مُشرقٍ ... والبدرُ لا يخفيه ليلٌ مظلمُ

لا فخرَ في نسبٍ لمن لم يفتخرْ ... بالعلم، لولا النابُ ذَلَّ الضيغمُ

(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت