فهرس الكتاب

الصفحة 4913 من 12621

حَتَّىْ أرَاكَ، فأنتَ الشَّمْسُ وَالقمَرُ

وبعدما تاب مَحَّصَها بقطعة شعرية جاء فيها:

يا قادرًا لَيْسَ يَعْفُوْ حِين يَقتدِرُ

وَلا يُقَضَّى لهُ مِن عيشِهِ وَطَرُ

عايِنْ بقلبكَ إنَّ العَيْنَ غافلةٌ

عَنِ الْحَقِيقةِ، وَاعْلَمْ أَنَّها سَقرُ

سَوداءُ تزفرُ مِن غيظٍ إذا سُعِرَتْ

لِلظَّالِمينَ فمَا تُبقِيْ ولا تَذرُ

إِنَّ الذينَ اشْتَرَوْا دُنيا بِآخِرَةٍ

وَشِقْوَةً بِنَعِيْمٍ سَاءَ مَا تَجَرُوا

يا مَنْ تلَهَّىْ، وشيبُ الرَّأسِ يَنْدُبُهُ

ماذا الذي بَعْدَ شيبِ الرّأسِ تَنْتَظِرُ؟

لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ غَيْرَ الْمَوتِ مَوْعِظةٌ

لَكانَ فِيهِ عَنِ اللَّذاتِ مُزْدَجَرُ

أنتَ الْمَقولُ لَهُ ما قلْتُ مُبتدِئًا:

هَلاّ ابتكَرْتَ لِبَيْنٍ أَنْتَ مُبْتكِرُ؟

ومن ممحِّصاته قوله:

أَلا إنِّمَا الدُّنيا نَضارَةُ أيْكَةٍ

إذا اخْضَرَّ منها جانِبُ جَفَّ جانِبُ

هِيَ الدَّارُ ما الآمالُ إلاّ فَجَاْئِعٌ

عليها، ولا اللَّذَّاتُ إلاّ مَصائِبُ

وَكَمْ أسْخَنَتْ بالأمس عَينًا قريرَةً

وقرَّت عيونًا دَمْعُها الآنَ سَاكِبُ

فلا تَكْتَحِلْ عَيناكَ مِنْها بِعَبْرَةٍ

على ذاهِبٍ مِنها فإنّكَ ذاهِبُ

أخر شعره

أصيب ابن عبد ربه الأندلسي بمرض الفالج في آخر عمره، فذاق الألم، وهو طريح الفراش، فكان آخر شعر قاله فيما قيل:

كِلاْنِيْ لِمَا بِي عاذِلَيَّ كَفانِيْ

طَويتُ زمَانِي بُرهةً وطَوَانِيْ

بَليتُ وَأبْلَتْني اللَّيالِي بِكَرِّهَا

وصَرْفانِ لِلأيامِ مُعْتَوِرَاْنِ

وَمَالِيَ لا أبكِي لِسَبعينَ حجَّةً

وَعَشْرٍ أتَتْ مِن بَعْدِها سَنتانِ؟

فلا تسألانِيْ عن تبارِيحِ عِلَّتِيْ

ودُوْنَكُمَا مِنِّي الذي تَرَيَاْنِيْ

وإنِّيْ بِحَمْدِ اللهِ رَاجٍ لِفضلِهِ

وَلِي مِن ضَمَانِ اللهِ خَيْرُ ضَمَانِ

وَلسْتُ أُبالِيْ عنْ تَبارِيْحِ عِلَّتِيْ

إذا كَانَ عَقلِيْ بَاقِيًا ولِسَانِيْ

هُمَا مَا هُمَا في كُلِّ حَالٍ تُلِمُّ بِيْ

فَذَاْ صَارِمِيْ فِيها، وَذاكَ سِنَانِيْ

إعجاب المتنبي بشعره

قال ياقوت الحموي في معجم الأدباء: أخبرني بعض العُلية: أن الخطيب أبا الوليد ابن عسال أدى فريضة الحَجَّ، فلمَّا انصرف عائدًا إلى الأندلس، تطلَّع إلى لِقاء الشاعر المتنبئ في مصر، واستشرف ورأى أن لُقيتَه فائدةٌ يكتسِبُها، وحُلَّة فخرٍ لا يَحْتَسِبُها، فصار إليه، فوجدَهُ في مَسجد عمرو بن العاص في الفسطاط، ففاوضه قليلًا ثم قال المتنبي: ألا أنشدني لمليح الأندلس، يعني ابن عبد ربه فأنشده ابن عسال:

يا لُؤلُؤًا يَسْبي العُقولَ أنِيقا

وَرَشًا بِتَقطِيْعِ القلُوبِ رَفِيقا

ما إِنْ رأيتُ ولا سَمِعتُ بِمِثْلِهِ

دُراًّ يعوْدُ مِنَ الْحياءِ عَقِيْقا

وَإذا نَظرتَ إلى مَحاسِنِ وجْهِهِ

أبْصَرْتَ وَجْهَكَ في سَناهُ غَرِيْقا

يا مَنْ تَقطَّعَ خَصْرُهُ مِنْ رِدْفِهِ

مَا بالُ قلبكَ لا يَكوْنُ رَقِيْقا؟

فلما أكمل ابن عسال إنشادَه، استعادها منه المتنبي، ثم صفق المتنبي بيديه. وقال: يا ابن عبد ربه، لقد يأتيك العراق حَبْوًا. وهذه شهادة لها قيمتها من المتنبي تعكس إعجابه بشعر ابن عبد ربه الأندلسي.

العقد الفريد

كان ابن عبد ربه الأندلسي من أهل العلم، والأدب، والشعر، وهو صاحب كتاب العقد الفريد في الأخبار، وهو مقسَّم على عدّة فنون، وسمى ابن عبد ربه كل باب منه على نظم العقد، وجعله على خمسة وعشرين كتابًا، كل كتاب منها جزءان، فذلك خمسون جزءًا في خمسة وعشرين كتابًا، وكل كتاب باسم جوهرة من جواهر العقد.

فأولها: كتاب اللؤلؤة في السلطان، ثم كتاب الفريدة في الحروب، ثم كتاب الزبرجدة في الأجواد، ثم كتاب الجمانة في الوفود، ثم كتاب المرجانة في مخاطبة الملوك، ثم كتاب الياقوتة في العلم والأدب، ثم كتاب الجوهرة في الأمثال، ثم كتاب الزمردة في المواعظ، ثم كتاب الدرة في التعازي والمراثي، ثم كتاب اليتيمة في الأنساب، ثم كتاب العسجدة في كلام الأعراب، ثم كتاب المجنبة في الأجوبة، ثم كتاب الواسطة في الخطب، ثم كتاب المجنبة الثانية، في التوقيعات، والفصول، والصدور، وأخبار الكتبة، ثم كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وأيامهم، ثم اليتيمة الثانية في أخبار زياد، والحجاج، والطالبيين، والبرامكة، ثم الدرة الثانية في أيام العرب ووقائعهم، ثم الزمردة الثانية في فضائل الشعر، ومقاطعه ومخارجه، ثم الجوهرة الثانية في أعاريض الشعر، وعلل القوافي، ثم الياقوتة الثانية في علم الألحان واختلاف الناس فيه، ثم المرجانة الثانية في النساء وصفاتهن، ثم الجمانة الثانية في المتنبئين، والطفيليين، ثم الزبرجدة الثانية في التحف، والهدايا، والنتف، والمفاكهات والْمُلح، ثم الفريدة الثانية في الهيئات والبنائين، والطعام والشراب، ثم اللؤلؤة الثانية في طبائع الإنسان، وسائر الحيوان، وتفاضل البلدان، وهو آخر الكتاب.

مكانة العقد الفريد

سمّى ابن عبد ربه كتابه باسم العقد، ثم لحقت بالكتاب صفةُ الفريد، في وقت متأخر، ولعل أوّل من وصفه بالفريد هو الكاتب الأبشيهي صاحب كتاب المستطرف من كل فن مستظرف، والمتوفى سنة 852هـ/1448م، وقد أثنى على الكتاب ابن خلكان صاحب كتاب وفيات الأعيان الذي قال:"وهو من الكتب الممتعة، حوى كل شيء"واختصر العقد الفريد أبو إسحاق الوادي آشي المتوفى سنة 570هـ/ 1174م، كما اختصره اللغوي ابن منظور صاحب لسان العرب المتوفى في القاهرة سنة 711 هـ/ 1311 م، وحظي الكتاب باهتمام المعاصرين، فطبع الكتاب عدة مرات، وكانت الطبعة الأولى في بولاق سنة 1292هـ/ 1875م.

وحظي العقد الفريد، ومؤلفه ابن عبد ربه الأندلسي بالكثير من الدراسات المتنوعة قديمًا وحديثًا، واعتُمد عليه في تحقيق الكثير من دواوين الشعراء حيث اعتُبرَ من المصادر الموثقة في مجالات التراث العربي والإسلامي.

ملاحظة: هذه المادة تنشر في العدد 15265 من جريدة الحياة، الصفحة: 15، يوم السبت 15/ 1/ 2005م

الدكتور محمود السيد الدغيم

جرجناز - معرة النعمان - إدلب - سوريا

باحث أكاديمي في جامعة لندن

(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت