فهرس الكتاب

الصفحة 5020 من 12621

فقال الطائر المهاجر: إنى لأظنك يا هذا مثبورا وما عسى جناحاك الضعيفان هذان أن يفعلا حين نجوب البلاد ونجوز البرارى والقفار والبحار والأنهار ونقطع المسافات البعيدة بحثا عن رزق الله حيث جعل الله رزقنا في بلاد بعيدة وآفاق مديدة فلا نستطيعه إلا بشق الأنفس من طول سفر وشدة تعب وقد وهبنا الله لذلك قوة في القوادم والخوافى وقدرة على الطيران الطويل وتحمل المشاق ومعاناة الأهوال ومعرفة بالنجوم على أنه في كل بلد صيادون يشتهون لحومنا ولكل بلدة في الصيد فنون قد علمناها وأتقناها حتى نستطيع أن نخلص من شرورها وإنك لا تحسن منها شيئا فمالك ولكل هذا العناء والتعب وقد جعل الله رزقك تحت قدميك وجعلك في مكانك آمنا مطمئنا وإنما أنت آكل جيف وربما لو عدلت عنها إلى الأسماك وما تسميه أطيب الطعام فسد بدنك وتقطعت أحشاؤك إذ لا يُصْلحُك إلا ما خلقك الله له فلا تهلك نفسك بالنظر الكاذب وقد قالت العلماء: إن الكذوب لا يفلح أبدا. فهذا فيمن يكذب على الناس فكيف بمن يكذب على نفسه.

فقال الغراب الأبلق: قد سمعت ما قلتَ وما أحسبك إلا تحسدنى أو تجد علىَّ في نفسك أن أقاسمكن زينة الحياة الدنيا.

فقال الطائر المهاجر: والله ما أراك إلا مغرِّرًا بنفسك فموبقها.

ثم إن الغراب سار معهن حتى بلغن الماء فنزل إلى الشاطئ وجعل يطير ويسبح ويمشى ويقفز ويلهو ويمرح ثم نظر فوجد الطيور المهاجرة لم تنزل إلى الشاطئ كما نزل بل ظلت تطير فوق لجة الماء فقال الغراب في نفسه: ما أُراها تركت هذا المكان إلا لمكان أفضل منه وإنى لحقيق أن أتبعهن فأنزل معهن حيث ينزلن فطار خلفها ولكن الماء قد أثقل ريشه وجناحيه فأجهد نفسه في الطير حتى اقترب منها فاشتدت الطيور المهاجرة في الطيران فاشتد خلفها حتى أدركه التعب وبلغ منه الجهد فعَنَّى نفسه متماديا في غيه وضلاله وظن أنهن سينزلن في بعض جزائر البحور أو أن ثمت بلدة قريبة منهن فلما لم يكن شئ من ذلك أراد العودة ولكنه كان في وسط الماء فنظر فلم يجد إلا الماء من خلفه وأمامه وعن يمينه وشماله فندم ولات ساعة مندم ِ فطار حتى نفدت قوته وسقط مغشيا عليه فأخذه السمك من كل جانب وصار له طعاما.

فقال الفلاح لزوجه: قد سمعتُ ما قلتِ ولكنى قد عزمت على أمرى وإنى لأرجو أن أكون أحسن حالا من غرابك الأبقع. فعمد إلى نقوده التى جمعها فأخذها وباع دوابه وترك أرضه التى يعمل فيها وباع بيته الذى يسكنه وترك بلده ووطنه ورحل عن إخوانه وعشيرته وأخذ زوجه وعياله فهاجر إلى بلد بعيد لا يعرفه فيها أحد ثم ذهب إلى البحر فاشترى فلكا وطفق يركب البحر يريد الصيد فجاءه بعض الصيادين فقال له: يا فلان من أنت وما جاء بك إلى هنا؟ قال الأكَّار: أنا سمَّاك جئت أطلب رزق الله في هذه البلدة. فقال الصياد: وما حملك على أن تترك وطنك وتجئ إلى هنا. فقال الفلاح: قد علمتُ أن هذه البلدةَ كثيرةُ الأسماك وأن بها من أنواع السمك ما ليس في بلدنا. فقال الصياد وما حملك على نزول البحر في هذا الوقت. فقال الفلاح: ألم أخبرك أننى صياد جئت لهذا الأمر. فقال الصياد: ما أدرى فإنى أحسبك راعىَ غنم فليس الوقت وقت صيد ثم إن شئت أن تصيد هاهنا بهذه الفلك فلابد أن تأتىَ شيخ الصيادين فإن أذن لك وإلا فارجع إلى بلدك. فلما ذهب إلى شيخ الصيادين قال له: إن من يصيد في هذه البلدة معنا عليه أن يدفع كل يوم أربع دوانق. فقال الفلاح في نفسه: ياويل أُمِّه - يريد نفسه - أأترك أرضى وبلادى وقد كنت أكرى الأرض بأربع دراهم كل عام لأدفع أربع دوانق كل يوم إنى إذًا لشقى. ثم قال للصياد: فكيف إذا لم أدفعها؟ فقال الصياد: فارحل عن بلدنا. فقال الفلاح: وهل أنت صاحب البلدة أو مالك البحر؟ فقال الصياد: فإن أبيت إلا الصيد هنا فاذهب وحدك إلى البحر وليس لك منا معونة. ففرح الفلاح وراح يصيد وجعل ينظر إلى السماكين كيف يفعلون فيفعل كما يفعلون ثم إنهم ركبوا البحر يوما فقذف بهم الموج حتى انتهوا إلى بلاد القراصنة فأخذوهم فلما رآهم أميرهم عرفهم وكانوا يجعلون له في كل عام خَرْجًا يفتدون به من وقع منهم ببلاد القراصنة وكانوا يجعلون على سفنهم علامة يعرفونهم بها فجعل القراصنة يبحثون في السفن عن هذه العلامات فكل سفينة رأوا فيها علامتهم تركوها فطفقوا يخلون سبيل السفن سفينة سفينة حتى أخلوها جميعا إلا سفينة الفلاح فلم

(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت