في ليلة ثقافية حافلة، رعى الأديب الشيخ عبد الله بن إدريس والدكتور عبد الله الجاسر وكيل وزارة الثقافة والإعلام للشؤون الإعلامية افتتاح معرض الكتاب الخيري في نادي الرياض الأدبي وذلك في دورته الرابعة، بحضور عدد كبير من الأدباء والمثقفين والإعلاميين وزوار النادي الذين وقفوا كذلك على تقديم وتوقيع كتاب الأعمال الشعرية الكاملة للأديب الشيخ عبد الله بن إدريس، وذلك بعد اختتام الندوة الثقافية التي أقيمت بهذه المناسبة بمشاركة كل من الدكتور حمد بن ناصر الدخيل، والدكتورة ميساء الخواجة، وإدارة الدكتور صالح معيض الغامدي، حيث تناول المحاضرون سيرة ابن إدريس وشعره، كما تحدث الأديب الكبير عن ذكريات أدبية خالدة تستحق الوقوف وقصص تستحق الاستماع.
ندوة احتفائية .. بتجربة ريادية
كان من الجميل أن تدعم فعالية المعرض ندوة ثقافية تحتفي بتجربة رمز بقيمة الشيخ عبد الله بن إدريس وتستعرض جوانب من تجاربه الثرية في المسارات الأدبية والإدارية والإعلامية، حيث بدأ رئيس النادي الدكتور عبد الله بن صالح الوشمي الحديث، معتبرا أن الاحتفاء بالأديب الشيخ عبد الله بن إدريس واجبا تجاه الرموز الأدبية والثقافية والفكرية في بلادنا، ونوعا من الوفاء تجاه ما قدموه وأسهموا به طوال مسيرتهم الحافلة، ثم تحدث الدكتور حمد الدخيل عن الشيخ ابن إدريس ولادته ونشأته وحياته وبداياته الثقافية، مشيرا إلى أنه رأس النادي الأدبي في الرياض لمدة عشرين عاما، كما رأس تحرير صحيفة الدعوة لمدة تسع سنوات.
كما عرض الدكتور الدخيل لمؤلفات الشيخ ابن إدريس وأبرزها كتابه «شعراء نجد المعاصرون» معتبرا هذا الكتاب من أبرز الكتب التي أرخت لفترة شعرية معينة في هذه البلاد، كما استعرض القبول الكبير الذي حظي به هذا الكتاب داخل البلاد وفي أنحاء الوطن العربي مطالبا بأن يتم إعادة طباعة هذا الكتاب الذي أصبح من النادر الحصول على نسخة حيث يمثل مرحلة مهمة في تاريخ الأدب السعودي.
من جهتها، رأت الدكتورة ميساء الخواجة أنه من الجميل أن يتم الاحتفاء بأعلام الجيل الذين كانت لهم إسهامات كبيرة في الحركة الثقافية والأدبية، وقالت إنه من الجميل أن يوقع ابن إدريس أعماله الكاملة على هامش معرض الكتاب الخيري الذي يقيمه النادي. وأضافت أن الشيخ ابن إدريس يعد من رواد الأدب والإعلام في المملكة، وهو شاعر حافظ على عمود الشعر، مضيفة أن فترة رئاسته لتحرير صحيفة الدعوة كانت حافلة بالعديد من المقالات الأدبية والاجتماعية التي عالجت الهم الوطني، مشيرة إلى أن ريادته الأدبية كان أبرزها رئاسته للنادي الأدبي في فترة معينة من تاريخ النادي.
ابن إدريس يتحدث ..
فكرا وشكرا .. نثرا وشعرا
إن كان لقراءة نصوصه متعة، فإن الاستماع إلى صوت الشيخ ابن إدريس وهو يملأ جنبات النادي الأدبي كما كان يفعل على مدى ربع قرن من الزمن، هو متعة من نوع آخر، فالأديب الكبير منح الندوة لونا مبهجا خاصا، تارة بإطلالته المبتسمة، وتارة بتعقيباته الودية على ما يرد في أوراق المحاضرين، قبل أن يمنحه مدير الندوة دفة الكلام في الوقت الذي أصغى فيه كل شيء إليه، إنها متعة تشبه شرب اللغة من منابعها الأصلية، وكعادة الأدباء الكبار فالعفوية تسود الموقف والكلمة المحبة تنهل من الروح كما تستحضر من الذاكرة. بدأ ابن إدريس حديثه بشكر الحاضرين والمتحدثين عنه معبرا عن ذلك بقوله «أشكر الذين أتحفوني بما هم مجبولون عليه من فضل القول وجميل الكلام والخلق الرفيع، لقد كرموني بوجودهم اليوم وهو تكريم أعتز به مدى حياتي» .
ويعلق على ما جاء في الندوة من التقدير لتجربته الطويلة في خدمة الثقافة متناولا بعض ما شغل تفكيره في تلك الفترة سواء على مستوى الإبداع أو التأليف وإن كان قد ركز على كتابه الشهير «شعراء نجد المعاصرون» ، فيقول «لقد أسهمت ولو بجهد متواضع في الحركة الأدبية في المملكة، خاصة منطقة نجد .. خصوصا بعد أن لاحظت وجود كثير من الكتب عن أدباء المناطق الأخرى، فيما بقيت هذه المنطقة غير معروفة بسبب عدم التأليف عنها، فأردت أن أصل هذه الحلقة بالحلقات الأخرى» .
وقال الأديب ابن إدريس إنه لم يتوقع ما تحقق لكتابه من النجاح والقبول محليا وعربيا مستعرضا في هذا السياق جانبا من الذكريات التي جمعته بكبار الأدباء والنقاد العرب في تلك الفترة، فيقول «زرت الأديب العقاد في يوم جمعة، وأهديته نسخة من الكتاب فقرأ عنوانه ثم قال: أرى أن الشعر في نجد كان أضعف منه في المناطق الأخرى خلال العشرين سنة الماضية، وربما يغير كتابك هذا وجهة نظري» ولم تمض مدة طويلة حتى عاد الأديب ابن إدريس إلى العقاد الذي كان حينها قد غير رؤيته فعلا بعد أن قرأ الكتاب وأعجب به إعجابًا كبيرًا جعله يعود للحديث عن منطقة نجد بوصفها منبع الشعر الأصيل وموطن اللغة الفصحى، وهو ما دفع العقاد أيضا إلى مكاشفة ابن إدريس في قضية شغلت باله كثيرا واختزلها في سؤال «كيف يتجه شعراء نجد إلى تقليد الشعراء العرب المتأثرين بالشعراء الغربيين؟» قبل أن يتبع ذلك النقاش برسالة شفوية حمّلها إلى شعراء منطقة نجد من خلال شاعرهم وناقدهم الرائد عبد الله بن إدريس واشتهرت تلك الرسالة في أوساط المشتغلين بالأدب وقتها حين قال العقاد «سلم عليهم وقل لهم أرجوكم أن تتمسكوا بالشعر المعروف المألوف «وهي رسالة الدعوة لتأصيل الشعر التي مضت عليها عقود طويلة ومازالت مجامع اللغة ومحافل الأدب تنادي بها حتى الآن.
كما تطرق الشاعر ابن إدريس في حديث الذكريات الذي وجد قبولا كبيرا من الحضور إلى زيارته لمحمد مندور الذي كتب مقالا نقديا رائعا حول كتاب «شعراء نجد المعاصرون» وكذلك لأحمد حسن الزيات الذي اعتبره كتاب العام من وجهة نظره، وكذلك ما حظي به الكتاب من اهتمام نقاد وأكاديميين وباحثين من مختلف الدول العربية.
الاقتصادية - 7/ 6/2010