القول الأول: أنه بعد الركوع، وبهذا قال الحنفية الشافعية والحنابلة.
[حاشية ابن عابدين (2/ 11) ، المجموع (3/ 494) ، الإنصاف (2/ 122) ] .
ودليلهم على هذا: ما أخرجه الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: «قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا، بعد الركوع يدعو على أحياء من العرب» .
ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله بعد ما يقول سمع الله لمن حمده.
وما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد في الأخيرة.
وجه الاستدلال: أنه فعل منه صلى الله عليه وسلم، وفعله صلى الله عليه وسلم للمشروعية.
القول الثاني: أنه قبل الركوع، وبهذا قال المالكية.
[الاستذكار (1/ 294) ] .
ودليلهم على هذا: ما أخرجه الشيخان عن أنس رضي الله عنه أنه سئل عن القنوت، فقال: «قد كان القنوت قلت: قبل الركوع أو بعده؟، قال: قبله، قال: فإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت بعد الركوع، فقال: «كذب إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا» .
وجه الاستدلال بالحديث: أن أنسا رضي الله عنه أخبر بأنه كان قبل الركوع، وأنه إنما قنت بعد الركوع شهرا ثم تركه، فيكون منسوخا.
وأجيب: بأنه ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم هو من قنت قبل الركوع، وليس فيه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع ثم تركه إلى ما قبله حتى يقال بالنسخ، ولو ثبت ما دل عليه، بل على مشروعية الأمرين.
القول الثالث: أنه مخير بينهما، وبهذا قال الحنابلة في رواية.
[الإنصاف (2/ 122) ] .
عن أنس بن مالك، قال: سئل عن القنوت في صلاة الصبح، فقال: «كنا نقنت قبل الركوع وبعده» .
وجه الاستدلال بالحديث: أن أنسا رضي الله عنه أخبر بأن الصحابة رضي الله عنهم صلوا مع النبي ? قبل الركوع وبعده، وهذا يدل على مشروعية الأمرين.
وأجيب عنه: بأنه ليس في الحديث أنهم فعلوا ذلك معه ?، بل ليس فيه إضافة ذلك إلى زمانه، ومثله لا يكون مرفوعا على مذهب الأكثر من الأصوليين.
الترجيح: الراجح في هذه المسألة القول الأول، وذلك لقوة دليله، وعدم سلامة أدلة أصحاب القول الثاني من المناقشة.
رفع اليدين في القنوت:
اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يشرع رفعهما، وبهذا قال الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) .
[بدائع الصنائع (1/ 201) ، المجموع (3/ 500) ، الإنصاف (2/ 123) ] .
ودليلهم على هذا: ما أخرجه البيهقي عن أنس رضي الله عنه قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما صلى الغداة رفع يديه، يدعو عليهم، يعني على الذين قتلوهم.
وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، وفعله صلى الله عليه وسلم يدل على المشروعية.
وأجيب عنه: أنه حديث ضعيف في إسناده علي بن صقر السكري ليس بالقوي، وعلى ذلك فلا يصح التعويل عليه.
القول الثاني: أنه لا يشرع رفعهما، وبهذا قال المالكية.
[مواهب الجليل (2/ 245) ] .
ودليلهم على هذا: أنه لم يرد دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك، والعبادات مبناها على التوقيف، عليه فلا يشرع.
الترجيح: الراجح في هذه المسألة القول الأول، وذلك لقوة دليله، وعدم سلامة أدلة أصحاب القول الثاني من المناقشة.
دعاء القنوت هل يجهر به أم يسر؟:
اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يشرع الجهر به، وبهذا قال الشافعية والحنابلة.
[المجموع (4/ 16) ، الإقناع (1/ 145) ] .
ودليلهم على هذا: أنه قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة منها ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو قائم: «اللهم أنج الوليد بن الوليد، ...» . ولو لم يكن جهرا لما سمعه أبو هريرة رضي الله عنه، بل جاء في البخاري عنه بلفظ: يجهر بذلك.
القول الثاني: أنه يشرع الإسرار به، وبهذا قال الحنفية والمالكية.
[البحر الرائق (2/ 46) ، مواهب الجليل (2/ 243) ] .
ودليلهم على هذا: قوله تعالى: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) . فهذا مطلق يصدق على كل دعاء.
وما أخرجه أحمد وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه مرفوعا بلفظ: «خير الذكر الخفي» .
وهو عام يشمل الدعاء في القنوت.
قالوا: وقياسا على سائر الأدعية.
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)