فهرس الكتاب

الصفحة 6788 من 12621

الأشهر الحرم لا ينافي ذلك، ولنعتبر هذا بقوله تعالى: «فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج» ، والفسوق ممنوع في الزمان كله. وعليه فهو من باب التأكيد على الحرمة، وله في الشريعة نظائر يسلم بها المخالف كما سبق. ومما يؤيد كون الضمير عائدا إلى الأشهر الحرم أيضا وروده بلفظ «فيهن» ، ولم يرد بلفظ فيها كما جاء في قوله: «منها أربعة حرم» ، لأنه قد تقرر في علم العربية أن الهاء تكون لما زاد على العشرة، بحيث تعامل في الضمير معاملة الواحدة المؤنثة، فيقال: الجذوع انكسرت، وأنّ الهاء والنون تكون للعشرة فما دونها إلى الثلاثة، فيقال: الأجذاع انكسرن، هذا هو الأكثر. وقد يعكس قليلًا فيقال: الجذوع انكسرن، والأجذاع انكسرت. البحر المحيط (5/ 41) .

حكم القتال فيها بين الإحكام والنسخ:

واتفق العلماء رحمهم الله تعالى على جواز القتال فيها إذا بدأ العدو قال تعالى: «الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ...» الآية، واختلفوا في تحريم القتال فيها ابتداءا هل هو منسوخ أم محكم، وذلك على قولين:

القول الأول: أنه منسوخ، وبهذا قال الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة. واستدلوا على ذلك بأدلة: منها: قوله تعالى: «وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة» . قال الزهري وغيره: هي ناسخة للقتال في الأشهر الحرم. ومنها أيضا: قوله تعالى: «فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم» . على القول بأن الأشهر الحرم هي من يوم النحر سنة تسع لا الأشهر الحرم المعلومة: رجب الفرد والثلاثة السرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم.

وأجيب عن الاستدلال بهاتين الآيتين ونحوهما بأنها عامة في الأزمنة، وهذا خاص، والعام لا ينسخ الخاص باتفاق.

وأجيب عن الثانية على جهة الخصوص أن الأشهر الحرم في الآية هي المعلومة، لكونها المعهودة عند الإطلاق، وقد روي هذا القول عن ابن عباس وبه قال الضحاك وغيره.

ونوقش هذا: بأن السياق يدل على أن المراد أشهر الإمهال الأربعة المذكورة بقوله: «فسيحوا في الأرض أربعة أشهر» ، وإيذانهم بها كان في الحج.

-واستدلوا أيضا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر حيث سار إليهم في المحرَّم، كما روى الزُّهري عن عُروة، عن مروان والمِسور بن مخرمة.

وأجيب عن هذا: بأن خُروجَه كان في أواخر المحرَّم، وفتحُها إنما كان في صَفَر.

-واستدلوا أيضا: بأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بايع أصحابَه عند الشجرة بَيْعةَ الرضوان على القتال، وألا يَفِرُّوا، وكانت في ذي القَعْدَة.

وأجيب عن هذا: أنه ? إنما بايعهم على ذلك لما بلغه أنهم قد قتلوا عثمان، وهم يُريدون قتاله، فحينئذ بايع الصحابة، ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام إذا بدأ العدو، إنما الخلاف أن يُقاتل فيه ابتداءً.

-واستدلوا أيضا: بحصار النبي صلى الله عليه وسلم للطائف، فإنه خرج إليها في أواخِر شوَّال، فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلة، فبعضُها كان في ذي القَعَدة، فإنه فتح مكة لِعَشرٍ بقينَ مِن رمضان، وأقام بها بعد الفتح تسع عشرةَ يقصُرُ الصلاة، فخرج إلى هَوازن وقد بقى من شوَّال عشرون يومًا، ففتح الله عليه هَوازِنَ، وقسم غنائمها، ثم ذهب منها إلى الطائف، فحاصرها بضعًا وعشرين ليلة، وهذا يقتضى أن بعضها في ذي القَعَدة بلا شك.

وأجيب عن هذا: بأنه قد اختُلفَ في تحديد مدة الحصار فقيل: أربعين ليلة، وقيل: بضع عشرة ليلة. صححه ابن حزم في جوامع السيرة، وقيل سبع عشرة ليلة قاله ابن هشام، وقيل: بضع وعشرون ليلة، أو ثلاثون ليلة قاله ابن إسحاق. ولا دليل على شيء منها.

ونوقش هذا: بأنه قد جاء عند مسلم في الصحيح عن أنس رضي الله عنه أنه قال: «ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة» . ويلزم من هذا أنه قد وقع بعض الحصار في ذي القعدة قطعا.

وردت المناقشة: بأن هذه الرواية ضعيفة، أخرجها مسلم في المتبعات من رواية سميط بن عمير السدوسي وهو مجهول، وتخريج مسلم لحديثه هذا لا يعد توثيقا لأنه قد خرج له في المتابعات، وهو لم يلتزم فيها بالصحة على ما في المقدمة.

تنبيه: وهم ابن القيم رحمه الله في عزو الحديث للصحيحين، وهو من أفراد مسلم.

جواب آخر على فرض وقوع بعض الحصار في ذي القعدة: أن غزوَ الطائفِ كان مِن تمام غزوة هَوازن، وهم بدؤوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بالقتال، ولما انهزموا، دخل ملكُهم، وهو مالكُ بنُ عوف النَّضري مع ثقيف في حِصن الطائف محاربينَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان غزوُهُم مِن تمام الغزوة التي شرع فيها.

انظر: زاد المعاد للإمام ابن القيم (3/ 340) .

القول الثاني في المسألة: أن التحريم محكمٌ لم ينسخ، وبهذا قال عطاءٌ وغيرُه، وكان رحمه الله يحلِفُ بالله: ما يَحِلُّ القِتَالُ في الشهر الحرام، ولا نسَخَ تحريمَه شيءٌ.

ودليلهم في هذا: البقاءُ على الأصل، فإن الأصل في النصوص الإحكام أي عدم النسخ، ولا يجوز الانتقال عنه إلا بدليل ولا دليل. والذي يظهر لي في هذه المسألة القول الثاني وذلك لقوة دليله.

مضاعفة السيئات والحسنات فيها:

الأصل في السيئات عدم المضاعفة، وأن من عمل السيئة كتبت له واحدةً قال تعالى: «من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون» . وعليه فلا يصح القول بمضاعفة السيئات في الأشهر الحرم كما ذهب إليه بعضهم، نعم يقال بأن فعل أمرا محرما في هذه الأشهر فهو آثم من جهتين: الأولى: مخالفته للنص الشرعي الوارد بتحريم الفعل. والثانية: مخالفته للنص الوارد بتحريم ظلم المرء لنفسه في هذه الأشهر. وهذا الذي أذكره ليس من المضاعفة في الشيء، فالمضاعفة في اللغة الزيادة على أَصل الشيء وجعله مثليه أَو أَكثر، وما قررته هو من باب زيادة السيئات بزيادة المعصية لا غير.

وأعجب من القول بمضاعفة السيئات القول بمضاعفة الحسنات فيها، فهذا مما لا دليل عليه، ولو سلمنا جدلا بمضاعفة السيئات وأن قوله تعالى: «فلا تظلموا فيهن أنفسكم» يدل على ذلك، ما صح لنا أن نقول بهذا من باب قياس العكس، فإن أمور الثواب والعقاب مما لا يعقل معناه فلا يدخل القياس.

كتبه / جلال بن علي السلمي.

(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت