وَالمَشَارِبِ، ثُمَّ يُقْدِمُ عَلَى حُرُمَاتِ اللهِ؛ فَأَيُّ تَنَاقُضٍ هَذَا؟!
مَا شُرِعَ الصِّيَامُ إِلَّا لِحَكَمٍ عَظِيمَةٍ؛ مِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ اللهُ بِقَوْلِهِ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .
اعْلَمْ -أُخَيَّ- أَنَّكَ مَيِّتٌ وَمُنْتَقِلٌ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الفَانِيَةِ إِلَى حُفْرَةٍ مُوحِشَةٍ، لَا يُنْجِيكَ مِنْ أَهْوَالِهَا إِلَّا العَمَلُ الصَّالِحُ وَالإِقْبَالُ عَلَى طَاعَةِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، أَتَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنْ جُثَى جَهَنَّم مَعَ مَنْ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} ؟! أَتَرْضَى أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا عَنِيدًا مُبَارِزًا للهِ بِالعِصْيَانِ {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ - مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ - يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} ؟! إِنْ كُنْتَ لَا تَرْضَى -وَهَذَا الظَّنُّ بِكَ-؛ فَلَا تُطِعِ الهَوَى، وَلَا تُمَكِّنْ عَدُوَّ اللهِ إِبْلِيسَ مِنْ نَفْسِكَ، حَاسِبْ نَفْسَكَ، وَتَخَيَّلْ وُقُوفَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- وَحِيدًا فَرِيدًا عُرْيَانًا حَافِيًا، تَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْكَ فَلَا تَرَى إِلَّا مَا قَدَّمْتَ، وَتَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْكَ فَلَا تَرَى إِلَّا مَا قَدَّمْتَ، وَتَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْكَ فَإِذَا نَارُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَفِي هَذِهِ اللَّحَظَاتُ المُفْزِعَةُ طَرَقَ سَمْعَكَ صَوْتُ الجَبَّارِ -جَلَّ جَلَالُهُ- فَسَأَلَكَ عَمَّا قَدَّمَتْ يَدَاكَ، {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى - يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي - فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ - وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} ؛ فَإِلَى مَتَى الغَفْلَةُ؟ إِلَى مَتَى؟! إِلَى أَنْ يَحْضُرَ الأَجَلُ؟!! وَعِنْدَهَا تَقُولُ: {رَبِّ ارْجِعُونِ - لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ لَا تُقْبَلُ التَّوْبَةُ، وَأَنَّى لَكَ بِالأَوْبَةِ؟! {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} .
فَيَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ، مَنْ تَابَ إِلَى رَبِّهِ تَابَ عَلَيْهِ وَقَرَّبَهُ، وَمَنْ أَعْرَضَ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ، يَقُولُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى - قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا - قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} .
فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّها .. مَنازِلُنَا الأُولَى وَفِيهَا المُخَيَّمُ
وَحَيَّ عَلى السُّوقِ الَّذِي فِيهِ يَلتَقِي الْـ .. مُحِبُّون ذَاكَ السُّوقُ لِلقَوْمِ يُعْلَمُ
فَلِلهِ مَا فِي حَشْوِها مِنْ مَسَرَّةٍ .. وَأَصْنَافِ لذَّاتٍ بِهَا يُتَنَعَّمُ
وَللهِ أَفْرَاحُ المُحِبِّينَ عِندَمَا .. يُخاطِبُهُم مِنْ فَوقِهِمْ ويُسَلِّمُ
وَللهِ أَبْصَارٌ تَرَى اللهَ جَهرَةً .. فَلا الضَّيْمُ يَغْشَاهَا وَلَا هِيَ تَسْأمُ
وَصُمْ يَومَكَ الأَدْنَى لَعَلَّكَ فِي غَدٍ .. تَفُوزُ بِعِيدِ الْفِطْرِ وَالنَّاسُ صُوَّمُ
وَإِنْ ضَاقَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكَ بِأَسْرِهَا .. وَلَمْ يَكُ فِيهَا مَنْزِلٌ لَكَ يُعلَمُ
فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّها .. مَنازِلُنَا الأُولَى وَفِيهَا المُخَيَّمُ
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)