فهرس الكتاب

الصفحة 7067 من 12621

وقد ذكر أهل العِلم أن صيام شهر الصَّبر -وهو شهر رَمضان- يتضمن ثلاثة أنواع من الصَّبر:

أولها: الصَّبر على طاعة الله.

الصَّبر على الطَّاعة بالقِيام بها، والالتزام بأمرها، والحُب لها، والقُدرة عَليهِا.

وأما الشيء الثَّاني: فهو الصَّبر على معصية الله؛ بالمجانبة لما نَهاك الله -تَعالَى- عنهُ؛ مِن أمور مُفطِّرة للصائم ومُفسدة لصَومه، أو مِن أمور محرَّمة -لكن يزداد إثمُها في شهر الصِّيام، وفي أثناء رَمضان-.

وسيأتينا ذلِك؛ سواء مُفسِدات الصَّوم ومُبطِلاته، أو الأشياء المحرَّمة الَّتِي نص النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- على أنها ممنوعة في هذا الشَّهر، وفي أثناء الصِّيام، هي ممنوعة -دائمًا-؛ لكن يتأكد منعُها أثناء الصِّيام، وأثناء هذه العبادة العظيمة الَّتِي كما ذكرتُ -وأكرِّر- هي ركن مِن أركان الإسلام.

والثَّالث: الصَّبر على أقدار الله.

الإنسَان إذا رضي بالقَضاء واطمأنَّ به قلبه، وانشرح به صدرُه؛ كان ذلِك عنوانًا مِن أعظم عناوين العبودية لله -تَبارَك وتَعالَى-؛ لذلِك قَالَ بعضُ أئمة السلف: (القَدَر نِظامُ التَّوحيد) ؛ فمَن عظَّم قضاء الله وقدَرَه في نفسه، واستسلَم له، وأذعنَ لِحُكمه؛ فإنه -لا شكَّ ولا رَيْب-؛ يكون في أرقى مقامات العبوديَّة، وفي أعظم أماكن التَّوحيد الَّتِي أمره الله -تَبارَك وتَعالَى- بها.

والنَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- أمر بالصِّيام عامَّة النَّاس وخاصَّتهم؛ فقَالَ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «يا معشر الشَّبَاب» يخصِّص الشَّبَاب «مَن استطاع منكُم الباءةَ فليَتزوَّج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفَرج» الباءة: هي المقدرة على الزَّواج -سواء هي المقدرة البدنيَّة، أو المقدرة الماديَّة، أو غير ذلِك- «مَن استطاع منكُم الباءة فليتزوَّج؛ فإنه أغضُّ للبصَرِ، وأحصن للفَرج» البَصر يكون مُنكسرًا عن المحرمات، يكون مُبتعدًا به صاحبُه عن التَّعدي على الحُرُمات، «وأحصنُ للفرج» ، فإذا استرسل البصرُ بالنَّظر إلى المحرَّمات؛ لا شكَّ ولا رَيْب أن الشَّهوة تنتشر على صاحبها، وتَحرفه عن طاعةِ المولى -سُبحانَهُ وتَعالَى-، وعن الالتزام بأن يكون عبدًا ربانيًّا -كما أمر الله-تَبارَك وتَعالَى-.

قَالَ: «ومَن لم يَسْتَطِعْ؛ فعَليهِ بالصَّومِ؛ فإنَّه لَهُ وِجاء» ، «إنَّه لَهُ وِجاء» أي: حماية ووقاية، هذا إذا كان في الصَّوم النَّافلة؛ فمِن باب أولى أن يكونَ في صَوم الفَريضَة -مِن باب أولى-؛ فصيام الفَريضَة فيه التزامٌ بأصلِ الصَّوم، وفيه التزام بفَرضِ الصَّوم؛ مما يجعل الأجرَ مُضاعفًا ومعظَّمًا عند الله -تَبارَك وتَعالَى-.

والنَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول: «حُفَّت الجنَّةُ بالمكارِهِ، وحُفَّت النَّارُ بالشَّهَوات» -كما في الحَديثِ المتَّفق على صحَّته عن أبي هُرَيرَة -رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُ-؛ وفي هذا إشارة إلى أن الصَّومَ الذي قد تكرهُه النَّفس هو مِن أسباب دخولِ الجنَّة.

كثيرٌ من النَّاس يتأذَّى؛ وبخاصَّة -نسألُ الله أن يعافيَنا وإيَّاكم- الذين ابتُلوا بالتَّدخين، والتَّدخين -لا شكَّ ولا رَيْب- محرَّم، وهذا قول جماهير أهل العِلم والدِّين-على كافَّة عصور المسلمين-منذ اكتُشف إلى هذه اللحظة-؛ فكثير مِن النَّاس تراهُ إذا خَتم صَومَه وابتدأَ بِفِطرِه؛ فإنه يُفطر على الدُّخان -قبل أن يفطِرَ على التَّمر-! وهذا لا يجوز؛ قبل أن يُفطر على الماءِ العذب الذي أحلَّه الله -سُبحانَهُ وتَعالَى-! فإذن: النَّفس قد تستصعبُ هذا الأمر.

نعم، نحن نقول كما قَالَ اللهُ: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] ؛ لكن بالمقابل -وقد جاءَتْك هذه الفرصة العظيمة في أن تُصابر نفسَك-ثنتي عشرةَ ساعة، أو ثلاث عشرة ساعة-؛ مِن باب أَولى أن يكون شهر رَمضان بدايةً مُباركة لكَ أن تُقلع عن التَّدخين، هذه العادة السيئة الَّتِي تعصي فيها ربَّك، وتُؤذي فيها أقربَ النَّاس إليك -مِن زوجة، وولد، ووالِد، وابن، وجارٍ، وصَدِيق-؛ بل تؤذي فيه المَلائِكة؛ فالنَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول: «إنَّ المَلائِكة تَتَأذَّى مما يَتَأذَّى مِنْهُ بَنُو آدمَ» وهذا لا يَجوز -بالاتفاق-.

(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت