لكلّ سنّ متطلّباته، وميوله ورغباته .. فعلينا أن نتفهّمها جيّدًا، ونحسن التعامل معها، بتلبية ما ينبغي تلبيته، وتهذيب ما ينبغي تهذيبه، وتوجيه ما ينبغي توجيهه .. وكثير من الآباء يقيس ميول أطفاله ورغباتهم بميوله ورغباته، ويحاكمهم بمنطقه ونضجه، وينسى يوم كان مثلهم، له اهتماماته الطفوليّة، التي لها في نفسه الأولويّة .. والحقّ أنّ الإنسان لا يستطيع أن ينفكّ كثيرًا عن شخصيّته ونظرته للأمور في تعامله مع الآخرين، ولذا فهو يحتاج إلى مراقبة دقيقة لنفسه في تعامله مع أطفاله، وحبّذا لو جعل من شريك حياته عينًا له على مواقفه، ليناقش مواقفه، وينصحه ويسدّده .. وأحمد الله تعالى أن هيّأ لي زوجة عاقلة ناصحة، قامت في حياتي بهذا الدور خير قيام ..
القراءة الصحيحة للاتّجاهات والميول، والأفكار والمؤثّرات، وتقدير المشاعر والرغبات .. فكثير منها متطلّبات فطريّة، ترتبط بالمرحلة العمريّة التي يمرّ بها الطفل، وتنقضي بانقضائها، فلا ينبغي أن ينظر إليها بشيء من الريبة والاتّهام، أو التهويل والتضخيم .. فما يثير الطفل ويدفعه غير ما يثير الناشئ ويرغّبه، وما يثير المراهق ويقلقه غير ما يثير الشابّ ويحمّسه، ومشاعر الفتيات واهتماماتهنّ تختلف، قليلًا أو كثيرًا عن مشاعر الفتيان .. وكلّ ذلك ممّا يحتاج إلى تقدير واهتمام ..
تقدير الواقع، والتحفيز على النهوض .. فالفروق الفرديّة بين الأطفال حقيقة لا مرية فيها، وإمكاناتُ الأطفال متفاوتةٌ، وقد تتفتّحُ مواهب الإنسان في سنّ، ولا تتفتّحُ قبله، ومن حكمة المربّي أن يحسن التعامل مع ذلك، ولا يتجاهله، ويتحلّى بالصبر وطول النفَس، ولا يُكلّف ما لا يُستطاع .. والتحفيز على النهوض يثير الهمم الكامنة، والعزائم الخاملة، ويفجّر في الإنسان طاقات الإبداع والعطاء ..
الاحتكام إلى العقل، وإيقاظ الضمير .. فمن أهمّ ما ينبغي على المربّي أن يعتني به في تربيته أن يدفع الطفل والناشئ إلى إعمال عقله في كلّ شأن، وألاّ يتّكل على عقل غيره، فيكون خاملًا كَلاًّ .. فإعمال العقل والاحتكام إليه، وإيقاظ الضمير، ونباهته وقوّة إحساسه، خيرُ ما يعين المربّي على غرس ما يريد غرسَه من القيم والفضائل، وينمّي في نفسه حاسّة نقد الذَات، ومحاسبة النفس، وتقويم الأعمال، وألاّ ينساق مع أهوائه في تبرير مواقفه ورغباته ..
شاور .. ولا تستأثر .. من خلال اطّلاعي على حياة كثير من الآباء والأسر فقد رأيت أكثر الآباء لا تعرف الشورى مع أبنائهم إلى حياتهم سبيلًا، فضلًا عن أطفالهم .. ويبقى الطفل في نظرهم طفلًا، ولو أصبح شابًّا ورجلًا .. وقد أخذت بحمد الله تعالى بالشورى في علاقتي بأولادي في كلّ ما تسعه الشورى، وتحسن به الشورى .. وقد رأيت من بركاتها ما لا يحصى .. ويكفي أنّها تهيّئ الطفل أو الناشئ إلى أن يسمع الرأي الآخر، كما سُمع رأيه، وأن يتقبّل الاستجابة له، وأن يتربّى على أن يشاور، ولا ينفرد برأيه .. كما أنّ من بركاتها أنّها تكشف اتّجاه الطفل ورغباته وميوله، بعيدًا عن التكهّن أو اللبس ..
البدائل أمام المربّي كثيرة، والخيارات في الأساليب والوسائل مفتوحة .. ومن أكبر مظاهر الإخفاق والعجز أن يقف المربّي مكتوف الأيدي في معالجة بعض السلبيّات والمواقف، وما ذلك إلاّ لقصوره التربويّ وضعف وعيه وثقافته .. وعلى المربّي أن يبدع في أساليبه ويجدّد، ليشعر الطفل أو الناشئ بالتجدّد في حياته، ولا يحسّ بالسأم والملل ..
دعه يجرّب .. دعه يكتشف .. امنحه الثقة والحرّيّة ليبدع .. إنّه مبدأٌ مهمّ للغاية، قلّ من الآباء من يجازف بنظره في الأخذ به .. لأنّه يظنّ أنّ الأمور بذلك تفلت من يده، ويفقده سلطته .. والأمر في الحقيقة على خلاف ذلك تمامًا .. فما يتعلّمه الطفل أو الناشئ بمعاناته وتجربته وأخطائه يمنحه خبرة في الحياة لا تقدّر بثمن، وتجعله يقدّر خبرة من هو أكبر منه، فيرجع إليه حبًّا وطوعًا .. ولا يمكنُ إعداد أبنائنا لتحمّل مسؤوليّات الحياة ما لم نمنحهم حرّيّة العمل بملاحظتنا وإشرافنا ..
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)