فهرس الكتاب

الصفحة 7252 من 12621

ولكنَّ المؤسِفَ: أنَّه بعد وفاة الشَّيخَين؛ اتَّجهَ بعضُ هذهِ الفِئةِ إلى النَّيل مِن بعض إخوانِهم مِن أهل السُّنَّة الدَّاعين إلى التَّمسُّك بما كان عليه سَلَفُ الأمَّةِ -مِن داخل البلادِ وخارجِها-، وكان مِن حقِّهم عليهم أن يَقبَلُوا إحسانَهم، ويَشُدُّوا أَزرَهُم عليه، ويُسدِّدوهم فيما حصل منهم مِن خطأ -إذا ثَبت أنه خطأ-، ثُمَّ لا يشغلون أنفسَهم بعمارة مجالِسِهم بِذكْرِهم والتَّحذير منهم؛ بل يَشتغِلون بالعِلم -اطِّلاعًا، وتعليمًا، ودعوةً-.

وهذا هُو المنهجُ القَويمُ للصَّلاحِ والإصلاحِ الذي كان عليهِ شيخُنا الشَّيخُ عبدُ العزيز بن بازٍ -إمامُ أَهْل السُّنَّةِ والجماعة في هذا العصر-رحمهُ اللهُ-.

والمشتَغِلون بالعلم مِن أهل السُّنَّة في هذا العَصْر قَليلون، وهم بِحاجةٍ إلى الازديادِ لا إلى التَّناقُص، وإلى التَّآلُف لا إلى التَّقاطُع، ويُقال فيهم مثل ما قال النَّحويُّون: «المُصغَّرُ لا يُصغَّر» .

قال شَيخ الإسلامِ -في «مَجموع الفَتاوَى» ، (28/ 51) : «وتَعلمون أنَّ مِن القواعد العظيمةِ التي هي جُمَّاع الدِّين: تأليفُ القلوبِ، واجتِماعُ الكلمةِ، وصلاحُ ذات البَيْن؛ فإن اللهَ -تَعالَى- يقولُ: ?فاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ?، ويقولُ: ?وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَميعًا وَلا تَفَرَّقُوا?، ويقولُ: ?وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جَاءَهُمْ البَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظيمٌ?، وَأمثال ذلك مِن النُّصوص الَّتي تأمُرُ بالجماعةِ والائتِلاف، وتَنهَى عن الفُرقةِ والاختلاف.

وأهلُ هذا الأصلِ: هُم أهلُ الجماعة؛ كما أنَّ الخارجين عنه: هُم أهلُ الفُرقةِ».

وقد كتبتُ في هذا الموضوعِ رِسالةً بعنوان: «رِفقًا -أهلَ السُّنَّة- بِأهلِ السُّنَّة» -طُبعتْ في عام 1424هـ، ثم في عام 1426هـ، ثمَّ طُبعتْ ضِمن «مجموع كُتبي ورسائلي» (6/ 281 - 327) في عام 1428هـ-، أوردتُ فيها كثيرًا مِن نُصوص الكتابِ والسُّنَّة وأقوالِ العُلماء المحقِّقين مِن أهل السُّنَّة.

وقد اشتملت الرِّسالة -بعد التَّقديم- على الموضوعات التَّالية:

-نِعمة النُّطق والبيان.

-حِفظ اللِّسان مِن الكلام إلا في خيرٍ.

-الظَّن والتَّجسُّس.

-الرِّفق واللِّين.

-موقف أهلِ السُّنَّة مِن العالِم إذا أخطأ: أنه يُعذَر؛ فلا يُبدَّع، ولا يُهجَر.

-فِتنة التَّجريح والهَجر مِن بعض أهلِ السُّنَّة -في هذا العَصْر-، وطريق السَّلامة منها.

-بدعة امتِحان النَّاسِ بالأشخاص.

-التَّحذير مِن فِتنة التَّجريح والتَّبديع مِن بعض أهل السُّنَّة -في هذا العَصْر-.

ومما يُؤسَف له: أنَّه حصل -أخيرًا- زيادةُ الطِّين بِلَّةً؛ بتوجيهِ السِّهام لبعض أهل السُّنَّة تَجريحًا، وتبديعًا، وما تبع ذلك مِن تهاجُر؛ فتكرَّر الأسئلة: (ما رأيكَ في فلانٍ بدَّعه فلان؟) ! و (هل أقرأُ الكتابَ الفلانيَّ لفلانٍ الذي بدَّعه فلانٌ؟) ! ويقول بعضُ صِغار الطَّلبة لأمثالهم: (ما موقفكَ مِن فلانٍ الَّذي بدَّعه فلانٌ؟) ! و (لا بُدَّ أن يكون لك موقفٌ منه؛ وإلا تركناك) !!!

ويَزدادُ الأمرُ سُوءًا: أن يَحصل شيءٌ مِن ذلك في بعض البلاد الأوروبيَّة -ونحوها- التي فيها الطُّلَّاب مِن أهل السُّنَّة بِضاعتُهم مُزجاةٌ، وهُم بِحاجةٍ شديدةٍ إلى تحصيل العلم النَّافع والسَّلامة من فِتنة التَّهاجُر -بسبب التَّقليد في التَّجريح-.

وهذا المَنهَج شبيهٌ بِطريقةِ الإخوان المسلمين الَّذين قال عنها مُؤسِّسُ حِزبهم: «فدَعوَتُكم أحقُّ أن يأتيَها النَّاسُ، ولا تأتي أحدًا ... ؛ إذْ هي جِماع كلِّ خيرٍ، وغيرُها لا يَسلم مِن النَّقص» !! [ «مُذكرات الدَّعوة والدَّاعية» ، (ص232) ، ط. دار الشِّهاب، للشَّيخ حسَن البنَّا!]

وقال: «وموقِفُنا مِن الدَّعوات المختلفةِ -التي طَغتْ في هذا العَصْر ففرَّقت القُلوب، وبلبلت الأفكارَ-: أن نَزِنَها بِميزان دَعوتِنا؛ فما وافقها؛ فمرحبًا به، وما خالفها؛ فنحن براء منه» !!! [ «مجموعة رسائل حسَن البنَّا» ، (ص240) ، ط. دار الدَّعوة، سنة1411هـ]

(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت