ولو تتبعنا آيات الظلم في القرآن الكريم لطال بنا المقام ولكن هيا بنا نذهب إلى المنهال العذب المورود إلى نبى الملك المعبود لنذهب إلى أستاذ البشرية ومعلم الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم تعالوا لنسأله فنقول له سيدى يا رسول الله يا صاحب المقام المحمود والحوض المورود ما قولك في الظلم وأهله فيقول الرسول الأعظم والنبى الأكرم مجيبا على سؤالنا بحديث قدسى يرويه لنا عن الرب العلى وينقله لنا عن النبى صاحبه الجليل أبو ذر الغفارى رضى الله عنه فيقول «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ، إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» .
قال ابن القيم: تحريم الله الفعل على نفسه يستلزم عدم وقوعه، ثم قال: وإذا كان معقولًا من الإنسان أن يأمر نفسه وينهاها كما قال تعالى: {إن النفس لأمارة بالسوء} (يوسف: 53) وكما قال: {ونهى النفس عن الهوى} (النازعات: 40) مع كونه تحت أمر غيره، فالآمر الناهي الذي ليس فوقه آمر ولا ناه كيف يستحيل في حقه أن يحرم على نفسه.
ومعنى"وجعلته بينكم محرما"أى حكمت بتحريمه عليكم وهذا مجمع عليه في كل ملة لاتفاق سائر الملل في مراعاة: حفظ النفوس فالأنساب فالأعراض فالعقول فالأموال والظلم قد يقع في هذه أو بعضها وتأمل أخى المسلم قوله"يا عبادى"وكلنا عبيد لله رب العالمين فالنداء شامل للأحرار والرقيق ولجميع الخلق من العقلاء فالظلم محرم في كل الشرائع والملل ثم بعد أن توقفنا مع هذا الهدى الربانى نقول يا رسول الله إذا كان ربنا حرم الظلم على نفسه وحرمه على عباده فلماذا نرى كثيرا من البشر يظلمون بعضهم بعضا ؟
فيجبنا الرسول المصطفى على لسان سيدنا أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه فيقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود: 102] ومعنى يملى للظالم أى يمهله ولا يعاجله بالعقوبة ومعنى إذا أخذه لم يفلته أى إذا أهلكه لم يرفع عنه الهلاك أبدًا.
فقلنا يا رسول الله فبماذا تنصح أمتك في الدنيا بخصوص الظلم فيقول فيما يرويه عنه أبو هريرة رضى الله عنه «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» .
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)