فهرس الكتاب

الصفحة 7410 من 12621

نظر الفضيل إلى رجل يشكو إلى رجل، فقال: يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك ( [3] (http://www.ahlalloghah.com/#_ftn3 ) ) .

وإذا اعْتَرَتْكَ بليةٌ فاصبرْ لها ... صبرَ الكريمِ فإنَّه بكَ أعلمُ

وإذا شكوتَ إلى ابن آدمَ إنَّما ... تشكو الرَّحيمَ إلى الذي لا يرحمُ

ولو نظر هذا الشاكي إلى حاله لوجد نفسَهُ غارقًا في نِعَمٍ عظيمة، لا يستطيع شكرها لو بقي طوال حياته ساجدًا شكرًا لله تعالى، فلماذا ينسى هذه النِّعَم التي لا تُعَدُّ ولا تحصى ويذكر بعض المصائب التي لا تُذكر بجانب ما أكرمه الله من فضله.

وإنَّ أعظمَ نعمة هي نعمة الإسلام، والله بفضله ورحمته جعلَكَ مِنَ المسلمين، و «كفى من جزائه إيَّاك على الطاعة أنْ رضيك لها أهلًا» ، و «كفى العاملينَ جزاءً ما هو فاتحه على قلوبهم في طاعته، وما هو مورده عليهم من وجود مؤانسته» ( [4] (http://www.ahlalloghah.com/#_ftn4 ) ) ، فيا مَنْ يشكو هل تريد أنْ يكون عندك كلُّ ما تريد مِنَ الدُّنيا وأنت على غير دين الإسلام؟ إنَّ الإسلام هو الذي يجعلك خالدًا في جنة فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، الجنة التي إذا غُمِسَ فيها أشدُّ النَّاس بؤسًا وبلاءً في الدُّنيا ينسى كلَّ شدَّة وشقاء ويقول لربِّه: (مَا مَرَّ بِى بُؤُسٌ قَطُّ وَلاَ رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ) ، ومَنْ لم يمت على الإسلام فمصيره جهنَّمُ خالدًا فيها-أعاذنا الله من ذلك-.

ألا يستحي الإنسان من ربِّه أنْ يكونَ ديدنُهُ الشكوى إلى المخلوقين، وهو عاجز عن شكر ما وهبه الله له.

وهَبْ أنَّ ملكًا أعطى رجلًا مِنَ الخير والمال الكثير، وأغدق عليه في العطاء، وكفاه ما أهمه، ومع ذلك ترى هذا الرجل متناسيًا لما أعطاه الملك، متكرِّهًا مما حوله، ألا يُعَدُّ هذا مِنْ لؤم النفس وخستها، فكيف مَنْ يكون هذا حاله مع الخالق الرازق المنعم المتفضِّل.

أيها الشاكي! تريد من الله أن يرضى عنك، وأنت لم ترضَ بقضائه وقدره؟

إنَّ الجزاء من جنس العمل، فإنْ كنتَ راضيًا بالله وحُكْمه وتدبيره، فإنَّ الله راضٍ عنك، وإن كنتَ ساخطًا متذمرًا فالله أولى أن يسخط عليك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فمن رضي فله الرِّضا، ومن سخط فله السخط) ( [5] (http://www.ahlalloghah.com/#_ftn5 ) ) .

ومِنْ فضل الله وكرمه على عباده أنَّه يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب، ولا يضيع منهم شيئًا حتى الصبر على الشوكة يشاكها، وهذا يكفي لأنْ يشكرَ العبد ربَّه حتى على ما يراه في نظره مصيبة، فهي عند الصبر والاحتساب عليها، خرجت عن كونها مصيبة إلى نعمة ومنحة تستوجب الشكر عليها وصارت في ميزان حسناته، قال صلى الله عليه وسلم: (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) ( [6] (http://www.ahlalloghah.com/#_ftn6 ) ) .

قال إمام الحرمين: وشدائد الدنيا مما يلزم العبد الشكر عليها، لأنَّ تلك الشدائد نِعَمٌ بالحقيقة لأنَّها تعرضه لمنافع عظيمة ومثوبات جزيلة.

فعلى المؤمن أنْ يشكرَ الله ويحمده في كلِّ حال، قال الإمام ابن القيم: ومقام الشُّكر جامع لجميع مقامات الإيمان ولذلك كان أرفعها وأعلاها، وهو فوق الرِّضا وهو يتضمن الصَّبر من غير عكس ( [7] (http://www.ahlalloghah.com/#_ftn7 ) ) ، ويتضمن التوكُّل والإنابة والحب والإخبات والخشوع والرجاء فجميع المقامات مندرجة فيه، لا يستحقُّ صاحبه اسمه على الإطلاق إلا باستجماع المقامات له، ولهذا كان الإيمان نصفين: نصف صبر ونصف شكر، والصبر داخل في الشكر، فرجع الإيمان كلُّه شكرًا، والشاكرون هم أقلُّ العباد كما قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} ( [8] (http://www.ahlalloghah.com/#_ftn8 ) ) .

فالمؤمن يحمد الله على كل حال، كما قال ابن ناصر الدين الدمشقي:

يجري القضاءُ وفيه الخيرُ نافلة لمؤمنٍ واثقٍ باللهِ لا لاهي

إنْ جاءَه فرحٌ أو نابه ترحٌ في الحالتين يقولُ: الحمدُ للهِ

(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت