هذا هو حديث القرآن عن الرّبا، حديث عن أسبابه ونتائجه وعقوبته، والمسلمون في عصر الرّسالة انتهوا عن التّعامل به لأنّ الله حرّمه، إيمانًا منهم وتصديقًا بما جاء به العليم الخبير، وكان يعرفون من أسباب تحريمه بأنّه ظلم وأكل لأموال النّاس بالباطل وأنّ الله يمحقه، ولم يكونوا يُدركون الحكم والأسرار لهذا التّشريع العظيم، وكيف يصل الرّبا إلى هذا الظّلم والمحق، وما هي آثاره الاجتماعية والاقتصاديّة على الفرد والمجتمع، لأن ثقافتهم وفكرهم الاقتصادي لا يؤهّلهم لمعرفة مفاسد الرّبا وآثاره على الاقتصاد كما هو الحال اليوم.
إن آثار الرّبا وأضراره ومفاسده - التي اكتشفها النّاس اليوم نتيجة تطوّر العمليات الاقتصادية وتعقّدها - تؤكّد أن تشريع الله في الربا معجز ولا يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثله، مما يدلّ دلالة قاطعة على أنّ هذا التشريع من عند الله العليم الخبير، وليس من عند محمد r ولا صحابته، لعدم مقدرتهم على معرفة وإدراك كثير من حكم وأسرار هذه التشريع، وهذا وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم وهو الإعجاز التشريعي في باب الربا.
وبناءً على ما سبق فإنّ الغاية من هذا البحث هي بيان الآثار الاقتصاديّة للرّبا، وجمع الشّواهد والبراهين عليها من واقعنا المعاصر، ممّا يؤكّد أنّ التّعامل بالرّبا فيه مفاسد كثيرة، وأنّ منع التّعامل به فيه مصالح كثيرة للفرد والمجتمع، وهذا يثبت ويبيّن حقيقة الإعجاز الّذي جاء به القرآن في هذا الجانب من التشريع.
وسأتناول هذا الموضوع في المباحث التالية:
المبحث الأول: سوء توزيع الثروة
المبحث الثاني: هدر الموارد الاقتصادية
المبحث الثالث: ضعف التنمية الاقتصادية والاستثمار
المبحث الرابع: التّضخّم
المبحث الخامس: البطالة
ثم الخاتمة وأهم نتائج البحث.
المبحث الأول: سوء توزيع الثروة
تتركز عملية الإقراض بفائدة [15] (الإقراض الرّبويّ) على الأشخاص القادرين على تقديم ضمانات تسديد القروض وفوائدها، وهو ما يؤدّي إلى تركّز ثروة البلاد في أيدي عددٍ قليل من الأشخاص [16]
وتأييدًا لهذا المعنى يقول الدكتور شاخت الألماني (Hjalmar Schacht) (http://en.wikipedia.org/wiki/Hjalmar_Schacht) الجنسيّة والمدير السّابق لبنك الرّايخ الألماني (Reichsbank) (http://en.wikipedia.org/wiki/Reichsbank) :"إنّه بعمليّة غير متناهية يتّضح أن جميع مال الأرض صائر إلى عددٍ قليل جدًا من المرابين، ذلك لأنّ المرابي يربح دائمًا في كل عمليّة، بينما المدين معرّض للرّبح والخسارة، ومن ثمّ فإنّ المال كلّه في النّهاية لابدّ بالحساب الرّياضيّ أن يصير إلى الّذي يربح دائمًا" [17] .
ومن مظاهر سوء توزيع الثّروة تسخير العمل لحساب رأس المال، حيث يقوم الإنتاج على عنصرين: العمل والمال، والعمل هو الأساس الأوّل، لأنّه هو الّذي يوجد المال في الأصل، وموجب ذلك أن يتحمّل كل من العنصرين نصيبه من الرّبح والخسارة، فإذا أشركنا صاحب المال في الربح، وجب أن يشترك في الخسارة النّازلة، غير أن الفائدة تهدم هذا البنيان الطّبيعيّ، وتسخّر العمل لحساب رأس المال، لأن المنتج وهو المدين دائمًا، يضمن للمرابي رأس ماله، ونصيبه من الربح، دون أن يشارك هذا الأخير في الخسارة النّازلة. [18]
وبناءً على ما سبق فإنّ الّذين يتركّز عندهم المال فئتان:
الفئة الأولى: المرابون الّذين يقرضون المال ويربحون دائمًا.
الفئة الثانية: الأشخاص الأغنياء المقترضون القادرون على تقديم ضمانات تسديد قروضهم.
وهذا يؤدي إلى تداول المال بين المرابين والأغنياء القادرين على تقديم ضمانات مما يجعل المال متداولًا بين هؤلاء وهو مخالف لمنهج الإسلام.
إن منهج الإسلام يقوم على توزيع المال بين الناس، وتداوله وحركته بينهم، ولذلك جعل علّة توزيع الفيء - كأحد مصادر المال في الإسلام - على المستحقّين منع تركيز المال في أيدي الأغنياء فقط، بل يتداول بين الناس، لقوله تعالى: (( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولةً بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتّقوا الله إنّ الله شديد العقاب ) ) [19] .
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)