وكأن هؤلاء فهموا من"لا"النهي عما سئل عنه وحذف بعد قوله:"لا"، فكأنه قال: لا تعزلوا، و"عليكم أن لا تفعلوا" [1] تأكيد لذلك النهي. وفهمت طائفة أخرى منها الإباحة وكأنها جعلت جواب السائل قوله:"لا عليكم أن لا تفعلوا". أي: ليس عليكم جناح في أن لا تفعلوا.
قال القرطبي: هذا التأويل أولى بدليل قوله:"ما من نسمة كائنة إلا ستكون". ولقوله:"لا عليكم، إنما هو القدر". وبقوله:"إذا أراد خلق شيء لم يمنعه شيء". وهذِه الألفاظ كلها مصرحة بأن العزل لا يرد القدر ولا يضر، فكأنه قال: لا بأس. وبهذا تمسك من رأى إباحة العزل مطلقًا عن الزوجة والسرية سواء رضيا أم لا، وبهذا قال الشافعي ومالك وكثير من الصحابة والتابعين والفقهاء [2] .
قال الرافعي والنووي وغيرهما من أصحابنا: العزل في السرية جائز عندنا بلا خلاف [3] .
قال النووي: ما ادعياه من نفي الخلاف ليس كذلك، ففيه وجه أنه لا يجوز لحق الولد، حكاه الروياني في"البحر"قبل باب نكاح الشغار [4] . وأما العزل عن الحرة المنكوحة ففيه طريقان: أظهرهما أنه يجوز إن رضيت لا محالة، وإلا فوجهان الجواز [5] أصحهما عند الغزالي
(1) زاد هنا: وعليكم. والأولى حذفها كما في"المفهم".
(2) "المفهم"4/ 166.
(3) "الشرح الكبير"8/ 178، و"روضة الطالبين"7/ 205.
(4) انظر"المجموع"16/ 423.
(5) سقط من الأصل. والمثبت يقتضيه السياق؛ كما في مصادر التخريج.