فهرس الكتاب

الصفحة 4937 من 12621

صار الزهد مذهبًا لأبي العتاهية، وطارَ شعرُه على الألسنة، وأقبَلَ عليه جمهورٌ من الخاصَّة والعامَّة.

ويَكفِي أنْ نشير إلى تعصُّب الرشيد لأبي العتاهية، وتقديمه شعرَه على شعر كثيرٍ من الفُحُول من مُعاصِريه، وأمَّا العامَّة فكان أبو العتاهية يُلقِي عليهم شعرَه في المحافِل،

فيزدَحِمون من حوله لسماعه ويُصفِّقون له ويتجاوَبون معه؛ لإحساسهم بأنَّه يعبِّر عن إحساساتهم الدينية، وميولهم الروحيَّة [5] (http://www.alukah.net/Literature_Language/0/26731/#_ftn5) .

لقد زهد أبو العتاهية في الدنيا، وفي لذائذها وشَهواتها، وخافَ الموت وما بعدَه، وخوَّف منه، وذكَر من ذلك كثيرًا في شعره ممَّا يُعِين أهلَ العقل والدِّين والتقوى، ويَبعَثهم على الزهد في الدنيا.

وبعد هذا تأتي أشعارُه الكثيرة التي يَشكُو فيها من ظُلم الناس وحسَدِهم إيَّاه،

أو التي تدلُّ على حسن اعتقاده، وسلامة دينه، ونزعته إلى الزهد والوعظ والحكمة؛ لنُؤكِّد أنَّ الرجل قد تاب حقًّا وزهد في الدنيا صدقًا.

ومن ذلك تشوُّقه إلى حياة الزهد الحقيقيَّة، التي يَراها في قوله:

رَغِيفُ خُبْزٍ يَابِسٌ // تَأْكُلُهُ فِي زَاوِيَهْ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وَكُوزُ مَاءٍ بَارِدٍ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif// تَشْرَبُهُ مِنْ صَافِيَهْ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وَغُرْفَةٌ ضَيِّقَةٌ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif// نَفْسُكَ فِيهَا خَالِيَهْ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أَوْ مَسْجِدٌ بِمَعْزِلٍ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif// عَنِ الوَرَى فِي نَاحِيَهْ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ومَن يقرأ في أرجوزته المزدوجة التي أسماها"ذات الأمثال"، يُدرِك أنَّه كان يستَوحِي عقلًا واعيًا ونظرةً ثاقبةً وفكرًا،

وأنَّه فكَّر وتأمَّل فوقَف على ما في الحياة من خيرٍ وشرٍّ، وأدرَكَ أنَّ على الإنسان أنْ يُنمِّي فطرةَ الخير فيه، ويُقاوِم مَنازِع الشرِّ، ومنها قوله:

إِنَّ الشَّبَابَ وَالفَرَاغَ وَالجِدَةْ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif// مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيُّ مَفْسَدَةْ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

هِيَ الْمَقَادِيرُ فَلُمْنِي أَوْ فَذَرْ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif// إِنْ كُنْتُ أَخْطَأْتُ فَمَا أَخْطَا القَدَرْ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

مَا انْتَفَعَ المَرْءُ بِمِثْلِ عَقْلِهِ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif// وَخَيْرُ ذُخْرِ المَرْءِ حُسْنُ فِعْلِهِ [6] (http://www.alukah.net/Literature_Language/0/26731/#_ftn6) http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

مذهبه الشعري في الزهد:

يُمثِّل شعر أبي العتاهية في الزهد اتِّجاهًا مهمًّا في تطوُّر الشعر العربي في عصره، ويُعَدُّ من مظاهر التجديد فيه.

فقد أعفى أبو العتاهية نفسه من مجاراة الشعر التقليدي، وجنَح بشعره إلى الشعبيَّة في الموضوع ومضموناته، وفي اللفظ والعبارة أيضًا.

وأبو العتاهية - في رأيي - كان حريصًا كلَّ الحرص على أنْ يُحقِّق لشعره في الزهد هذه الشعبيَّة، ويبدو هذا في ردِّه على سلم الساخر،

حين قال له بعد أنْ سمع بعضَ شعره في الزهد:"لقد جوَّدتها، لو لم تكن ألفاظها سوقيَّة"، فكان ردُّ أبي العتاهية:"والله ما يرغبني فيها إلاَّ الذي زهَّدك فيها".

ثم يعرب عن مذهبه في وضوحٍ أكثر حين يقول لأحد شُعَراء الزُّهد الذين يَحرِصون على المثاليَّة في التعبير، وتحرِّي لغة الخاصة:"اعلم أنَّ ما قلته رديء؛"

لأنَّ الشعر ينبغي أنْ يكون مثل أشعار الفحول، فإن لم يكن كذلك فالصواب لقائله أنْ تكون ألفاظه ممَّا لا تَخفَى على جمهور الناس مثل شعري،

ولا سيَّما الأشعار التي في الزهد، فإنَّ الزهد ليس من مذاهب الملوك، ولا من مذاهب رُوَاة الشعر، ولا طُلاَّب الغريب،

وهو مذهب أشغف الناس به الزهَّاد، وأصحاب الحديث، والفقهاء، وأصحاب الرِّياء والعامَّة، وأعجب الأشياء إليهم ما فهموه"."

(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت