أنخنا: يقال: أنختُ الجمل فاستناخ أي أبركتُه فبرك.
والركاب: الإبل، والركبان: أصحاب الإبل، قال قريط بن أنيف العنبري:
فليت لي بهم قوما إذا ركبوا * شدوا الإغارة فرسانا وركبانا
فالفرسان جمع فارس وهو راكب الفرس، والركبان جمع راكب وهو راكب البعير، والراكب إذا أطلق لا يراد به إلا راكب البعير دون غيره.
وإنما ينيخ الراكب بعيره إذا أراد أن ينزل عنه.
وعقلنا: أي وعقلناها، فحذف المفعول به وهو الضمير المتصل لدلالة ما قبله عليه. قال الأصمعي: عَقَلْتُ البعير أَعقِلُه عَقْلًا، وهو أن تثني وظيفَه مع ذراعِه فتشدهما جميعا في وسط الذراع.
والمعنى: أننا أنخنا ركابنا مع ركاب أهل التقوى ونزلنا عنها وعقلناها، وهذا كله من المجاز فلا ركاب ولا إناخة، إنما المقصود أننا نغشى مجالسهم ونشهدها، وقد يحمل هذا أيضا على متابعتهم وسلوك طريقهم وإن لم نشهد مجالسهم حقيقة، ومثله البيت الذي بعده:
وغشينا نديهم ليس فيه * غير درس الهدى وغير الذكر
فإن المرء إذا تابعهم واقتفى أثرهم صار كأنه مصاحب لهم، كما قال ابن المبارك رحمه الله لما قيل له: أما تمل من قعودك في البيت وحدك؟ فقال: كيف يمل من مجلسه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه! أو كما قال.
12 -ففزعنا إلى السلاح وثُرنا * واستوينا على ظهور الظَّهر
الظَّهر: الإبل أيضا، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك رضي الله عنه لما تخلف عنه في غزوة تبوك:"ما خَلَّفَك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرَك!"، أي: اشتريت راحلتك، والحديث متفق عليه.
وقوله: استوينا على ظهورها، من قوله تعالى:"لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه". (الزخرف 13)
وبين الظهور والظهر جناس ظاهر.
16 -إنما المِيسم الذي نوقد النار عليه يُحمى لذات العُرِّ
العُرُّ: قروح تخرج في الإبل متفرقة في مشافرها وقوائمها فتكوى الصحاح لئلا تعديها المراض. قال النابغة:
فحملتني ذنب امرئ وتركته * كذي العر يكوى غيره وهو راتع
وأنا قلت:
إنما المِيسم الذي نوقد النار عليه يُحمى لذات العُرِّ
والمراد أننا لسنا نأخذكم بذنب غيركم كالذي يكوي الصحاح ويدع المعرورة، بل أنتم أهل الذنب وبكم نوقع العقوبة.
19 -رُبَّمَا نَطْلُبُ الذُّحُولَ بِجَيْشٍ * تَهْلِكُ البُلْقُ فِي نَوَاحِيهِ مَجْرِ
البُلق: جمع أبلق، والأبلق من الخيل: الذي ارتفع تحجيله إلى فخذيه، وهذا قليل في الخيل، فإذا كانت الفرس كذلك كانت مشهورة ظاهرة لا تخفى بين الخيل.
فإذا أرادوا أن يصفوا جيشا بالكثرة قالوا: تَضِلُّ البلق فيه، أي تخفى ولا يهتدى إليها، لأن البلق إذا خفيت في الجيش على شهرتها فذلك غاية الكثرة في الجيش.
قال أبان بن عبدة، وهي في الحماسة:
بجيش تضِل البلق في حجراته * بيثرب أخراه وبالشأم قادمُه
والحَجَرات: النواحي.
وقال زيد الخيل:
بجيشٍ تضلُّ البلقُ في حجراتهِ * ترى الأكم فيه سُجدًا للحوافرِ
قال أبو هلال في ديوان المعاني:
"أخبرنا أبو أحمد، عن العبشمي، عن المبرد قال: يروى عن حماد الرواية قال: قالت ليلى بنت عروة بن زيد الخيل لأبيها: كم كانت خيل أبيك؟ حيث يقول:"
بجيش تضل البلق في حَجَراته
قال: ثلاث أفراس أحدها فرسه.
قوله: تضل البلق في حجراته، غاية في صفة الكثرة، لأن البلق مشاهير، فإذا خفي مكانها في جمع، فليس وراءه في الكثرة شيء، والعرب تقول:"أشهر من فارس الأبلق"، ورؤساء العرب لا يركبون البلق في الحرب لئلا ينم عليهم فيقصدوا بشر."ا. هـ."
وقولي:"تهلِك البلق"، مثل قولهم:"تضِلُّ البلق"، قال أبو دغفل بن شداد الكلابي:
وأقبلَ عامرٌ من لبن سيرًا * إلينا ثم أقسمَ لا يَريم
بجمعٍ تهلِكُ البلقاءُ فيهِ * فتُنشدُ والمفضضةُ اللطيمُ
وهَلَكَ مضارعه يهلِك، بكسر اللام، والناس يغلطون فيه فيقولون: يهلَك، وقد قرئ بها شذوذًا، وتفصيل ذلك في اللسان. قال ابن المرحل في موطأة الفصيح:
وهَلَكَ الإنسان فهو يهلِكُ * كقولهم مَلَكَ فهو يملِكُ
وقال زياد بن أبيه في خطبته البتراء:"إن كذبة الأمير بلقاءُ مشهورة، فإذا تعلقتم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي".
لأن كذبة الأمير يسمع بها الناس كلهم فلا تخفى على أحد.
وقول الكهلاني العاجز:"مجرِ"، هذا نعت للجيش، والمجر: الثقيل الذي لا يتبين سيره من كثرته، كما قال الجميح الأسدي:
مَجْرٍ يغص به الفضاء له * سلف يمور عجاجُه، فخمِ
21 -هل لقيناهمُ بضرب هو الهَبْرُ وطعن نتر ورمي سَعْر
هذا مأخوذ من قول محفوظ لبعض العرب كأنه يصف قتالا:"ضرب هَبْر وطعن نَتْر ورمي سَعْر"
قال ابن السكيت:"ضرب هبر أي يلقي قطعة من اللحم إذا ضربه وطعن نتر أي مختلس."
وقال الأزهري:"رمي سعر مأخوذ من سعرت النار والحرب إذا هيَّجتهما."
26 -ثم سبعين قارئا قتلوهم * وأحالوا على حَمِيِّ الدَّبْر
الدَّبْر جماعة النحل والزنابير، وحميُّ الدَّبْر هو عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، وذلك أن المشركين لما قتلوه أرادوا أن يمثلوا به فحماه الله بالدبر، وكان قد عاهد الله أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك فحماه الله بعد وفاته.
27 -ودَواليك كلَّ يوم ودين الله يَنمي والكفر كفر يَحْري
يَنمي: يزيد، يَحري: ينقص.
36 -وكأني بالرَّمْد جَلَّلَ أقواما أراه منهم على قِيس فِتْر
الرَّمْد: الهلاك. قال الشاعر:
صَبَبْتُ عليكم حاصبي فتركتُكم * كأصرام عادٍ حينَ جلَّلها الرَّمْدُ
والله أعلم.