فلا جرمَ أَنَّ هذا النظامَ قد طغى في البلاد، وأكثرَ فيها الفسادَ؛ فَلذلكَ سيصبُّ عليه الرَّبُّ العظيمُ سوطَ عذابٍ، ومِمَّا يُبهرُ الألبابَ في أسرارِ القرآن العظيمِ وحكمه الباهرة أنَّ سياق هذه الآيات العظيمة جاء في سورةِ الفجرِ؛ ففي هذا-والعلمُ عند الله- إشارةٌ بالغةٌ إلى أنَّ فجرَ الحقِّ سيبدِّدُ-بإذن الله- ظلامَ الطغيانِ والفسادِ؛ خصوصًا أنِّ الله أقسمَ به في مطلعِ السورةِ، وجعل ذلكَ موجَّها لأرباب العقولِ السليمةِ: (هل في ذلك قسمٌ لذي حجرٍ؟) .
2 -قال تعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 45] .
3 -قال تعالى: {اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 43] .
4 -قال تعالى: {... إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 81] .
5 -قال تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [آل عمران: 178] .
6 -قال تعالى: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54] .
فهذه قضيةٌ إيمانيةٌ عقديةٌ ينبغي لكلِّ مسلمٍ أن يوقنَ بها، وأن تتجذَّرَ في سويداء قلبهِ، وأن تخالطَ بشاشَتُها القلوبَ.
وثمَّة مجالانِ بالغا الأهمية: أحدهما: (عقديٌّ إيمانيٌّ) ، والآخرُ: (سلوكيٌّ عمليٌّ) يتحدانِ في نسقٍ بديعٍ؛ ليشكلا القضية الثانية التي ذكرتها آنفًا؛ ألا وهي: (الوصايا المهمة لدفع بغي النظامِ وعدوانهِ) ، وهي فيما يلي:
1 -هذا الحدثُ العظيمُ فرصةٌ ذهبيةٌ بامتيازٍ لترسيخِ معالمِ التوحيدِ والإيمانِ في النفوسِ؛ ومِنْ ذلك:
أ-تحرير القلوب من التعلق بالمخلوقين مهما بلغوا شأوًا عظيمًا في القوةِ والطاقةِ؛ وتعليقُ القلوبِ باللهِ الملك العظيم: ذلًا وانكسارًا ورجاءً وثقةً وحسنَ ظنا به -جلَّ جلاله وتقدَّستْ أسماؤه-.
ب-ربطُ النفوس بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى؛ فكلُّ ما يجري على هذهِ الأرضِ الممتدةِ فإِنَّما هو منْ تدبيرِ الله وأمره ومشيئتهِ، وراجعٌ إلى حكمتهِ؛ فهو ذو العرش المجيدُ، فعَّالٌ لما يريدُ.
جـ-الأرض كلُّها في ملكِ الله العظيمِ شيءٌ حقيرٌ جدًا لا يعدلُ شيئًا ولا قيمةَ لها؛ وتأملوا هذا الحديث العظيم الذي صحَّحهُ الإمامُ الألبانيُّ-رحمه الله- بطرقهِ المتكاثرة- لتدركوا جميعًا: أينَ تقع هذه الأرضُ بفجاجها وجبالها ووديانها في ملك الله العظيم؟!:
(( ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاةِ على تلك الحلقةِ ) ) (3) .
د-التضرعُ لله عز وجلَّ والانكسارُ بين يديه وإظهار الفاقة والحاجة والمسكنة والإنابة إليه؛ ولا سيما في أوقات إجابة الدُّعاء وبخاصةٍ في وقت النزولِ الإلهي؛ كما قال تعالى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43] ، وقال سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام: 42] .
هـ-ترسيخُ عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى؛ وأنَّ اللهَ سبحانه لا يخلقُ شرًّا محضًا، والشَّرُّ ليس إليه، والخيرُ كله بيده سبحانه وبحمده؛ كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] .
2 -ليكنْ من شعارنا وهتافنا الَّذي نلهجُ بهِ كثيرًا: (اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ) و (اللهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ) (4) .
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)