فهرس الكتاب

الصفحة 7051 من 12621

ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَشْيَاخِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: «إِذَا حَضَرَ شَهْرُ رَمَضَانَ فَانْبَسِطُوا فِيهِ بِالنَّفَقَةِ فَإِنَّ النَّفَقَةَ فِيهِ مُضَاعَفَةٌ» ، قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ -غَفَرَ اللهُ لَهُ-: الصَّائِمُ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ فِي عِبَادَةٍ، وَيُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُ فِي صِيَامِهِ وَعِنْدَ فِطْرِهِ، فَهُوَ فِي صِيَامِهِ صَائِمٌ صَابِرٌ، وَفِي لَيْلِهِ طَاعِمٌ شَاكِرٌ، {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} .

فِي رَمَضَان تُقْبِلُ القُلُوبُ إِلَى بَارِئِهَا -جَلَّ وَعَلَا-، وَبِالصِّيَامِ تَذِلُّ النُّفُوسُ لِرَبِّهَا، وَتَسْهُلُ عَلَيْهَا الطَّاعَاتُ وَالقُرُبَاتُ.

كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ صَائِمًا فَوُضِعَ فَطُورُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَسَمِعَ سَائِلًا يَقُولُ: (مَنْ يُقْرِضُ المَرِيَّ الوَفِيَّ الغَنِيَّ -جَلَّ جَلَالُهُ-؟) ، فَقَالَ ذَاكَ الصَّائِمُ: (أَنَا، أَنَا العَبْدُ المُعْدَمُ مِنَ الحَسَنَاتِ) ، فَقَامَ فَأَخَذَ الإِنَاءَ، فَخَرَجَ بِهِ إِلَى السَّائِلِ، وَبَاتَ هُوَ جَائِعًا!! سَلَامٌ مِنَ اللهِ وَرَحَمَاتٌ عَلَى تِلْكَ النُّفُوسِ المُؤْمِنَةِ المُخْبِتَةِ.

فَالصِّيَامُ يَشْفَعُ لِلْعَبْدِ عِنْدَ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-، يَقُولُ: «يَا رَبِّ! مَنَعْتُهُ شَهَوَاتِهِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ» ، وَهَذَا لِمَنْ حَفِظَ صَوْمَهُ وَخَافَ رَبَّهُ، فَأَمَّا مَنْ ضَيَّعَ صَوْمَهُ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِمَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَيْهِ؛ فَجَدِيرٌ أَنْ يُضْرَبَ بِهِ وَجْهُ صَاحِبِهِ وَيَقُولَ لَهُ: «ضَيَّعَكَ اللهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي» !

أَبْشِرُوا -مَعَاشِرَ المُؤْمِنِينَ المُخْبِتِينَ-؛ فَهَذِهِ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ فِي هَذَا الشَّهْرِ الكَرِيمِ لِأَجْلِكُمْ قَدْ فُتِحَتْ، وَنَسَمَاتُهَا عَلَى قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ قَدْ نَفَحَتْ، وَأَبْوَابُ الجَحِيمِ كُلُّهَا لِأَجْلِكُمْ مُغْلَقَةٌ، وَأَقْدَامُ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتِهِ مِنْ أَجْلِكُمْ مُوثَقَةٌ، فِي هَذَا الشَّهْرِ يَفُكُّ اللهُ مَنْ أَسَرَهُ إِبْلِيسُ، قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ -غَفَرَ اللهُ لَهُ-: قَالَ إِبْلِيسُ: أَهْلَكْتُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ بِالمَعَاصِي فَقَطَعُوا ظَهْرِي بِالاسْتِغْفَارِ؛ فَأنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَاسْتَغْفِرُوهُ.

عِبَادَ اللهِ: اسْتَقْبِلُوا هَذَا الشَّهْرَ بِالتَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ وَالانْكِسَارِ وَالاسْتِغْفَارِ، حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ، وَتَفَكَّرُوا فِي أَحْوَالِكُمْ وَمَآلِكُمْ، أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ (المَوْتِ) .

كَانَ السَّلَفُ يَجْتَهِدُونَ فِي إِتْمَامِ العَمَلِ وَإِتْقَانِهِ، ثُمَّ يَهْتَمُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَبُولِهِ، يَخَافُونَ أَنْ يُرَدَّ، وَهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ، قَالَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «كُونُوا لِقَبُولِ العَمَلِ أَشَدَّ اهْتِمَامًا مِنْكُمْ بِالعَمَلِ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ} ؟» ، قَالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوادٍ: «أَدْرَكْتُهُمْ يَجْتَهِدُونَ فِي العَمَلِ الصَّالِحِ، فَإِذَا فَعَلُوهُ؛ وَقَعَ عَلَيْهِمْ الهَمُّ: أَيُقْبَلُ مِنْهُمْ أَمْ لَا؟!» .

يَا أَرْبَابَ الذُّنُوبِ العَظِيمَةِ: التَّوْبَةَ التَّوْبَةَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الكَرِيمَةِ، فَمَا مِنْهَا عِوَضٌ وَلَا لَهَا قِيمَةٌ، مَنْ يُعْتَقُ فِيهَا مِنَ النَّارِ؛ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.

يَنْبَغِي لِمَنْ يَرْجُو العِتْقَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ أَنْ يَأْتِيَ بِأَسْبَابٍ تُوجِبُ العِتْقَ مِنَ النِّيرَانِ، وَهِيَ مُيَسَّرَةٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ -وَللهِ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ-.

(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت