ودليل ذلك ما نشاهده اليوم عند كثير من الناس الذين يقترضون بالفائدة من أجل أدوات منزلية كمالية كالثلاجات والغسالات والتلفزيونات والفضائيات، أو سلع استهلاكية كالطعام والشراب ونحوه وخلويات وسيارات وحواسيب للترف والترفيه، وإنني أرى أن الناس ينفقون ملايين الدنانير الأردنية مثلًا على كلام في الخلويات لا ينفع، بل كثير منه يضر، وهكذا في كثير من السلع.
إن التمويل الربوي يؤدي إلى سهولة المداينات دون أي ارتباط بالنشاط الاقتصادي الفعلي، وهذا بدوره يؤدي إلى نتيجتين هما:
أولا: تفاقم الإنفاق الاستهلاكي، لأن نسبة كبيرة من القروض الفردية ستوجّه إلى الحاجات الآنية على حساب الاحتياجات المستقبلية، وهذا يعني اختلال أنماط الإنفاق في المجتمع، مما يجعل الأفراد أكثر اعتمادًا على الديون لتسيير حياتهم اليومية، وكلما كانت آليات الإقراض النقدي أكثر تيسيرًا كلما ازداد اعتماد الأفراد عليها، ويصبح الأمر مثل كرة الثلج لا تزداد مع التدحرج إلا ضخامة. [27]
ومثل ذلك فيما إذا اشترى شخص ثلاجة لأجل بمئة وخمسين دينارًا، فمنفعة الثلاجة يقابلها الزيادة في الثمن للأجل، وهذا نشاطٌ اقتصادي فعلي وهو البيع لأجل. أما إذا اقترض شخصٌ مئة دينار على أن يردها مئة وخمسين دينارًا، فمنفعة المئة دينار يقابلها الزيادة على النقد بسبب الأجل، وهذه المنفعة قد لا يقابلها ما ينتفع به المدين، فقد يسدد دينًا، أو ينفق على أهله، أو يتوسّع في الاستهلاك كشراء المأكولات والمشروبات ونحوها وهذا هو القرض لأجل.
ودليل ذلك أن التداول النافع للسلع من المصالح الكليّة، وهو الذي يجعل السلعة متاحة لأكثر الناس انتفاعًا بها، ويؤدي إلى تحريك السوق. [28]
وبالنظر في المثال السابق يمكننا التفريق بين الربح والربا بما يلي:
1 -الزيادة في البيع والتجارة هي مقابل إيجاد السلعة، أما الزيادة في الربا فهي أجرة على مجرد التأجيل.
2 -الزيادة في البيع والتجارة هي زيادة في معاوضة صحيحة بين شيئين مختلفي الأغراض والمنافع، فتكون الزيادة في مقابل منفعة مقصودة ومطلوبة في البدل المقابل. أما الدين فلا معاوضة فيه على الحقيقة، لأن بدليه من جنس واحد، ولأنه واجب الرد بمثله من جنسه بلا زيادة ولا نقصان، فكانت الزيادة فيه بغير عوض يقابلها. [29]
3 -إن الشيء المبيع يؤخذ ربحه مرة واحدة، ومع ذلك فالغالب أن يستمر نفعه مددًا تطول أو تقصر، على العكس من الربا فالدين يستهلك مرة واحدة في حين يستمر الربا في سلسلة لا تنقطع. [30]
4 -البيع والتجارة تتضمن مخاطرة من وجهين:
أولهما: مخاطرة انخفاض السعر، أو كساد السلعة وبوارها حينما يريد بيعها.
ثانيهما: مخاطرة الهلاك والتلف، فترة بقائها في حوزته.
ورأس مال الربا لا مخاطرة فيه، بل هو دين مضمون في الذمة، واجب الرد بمثله، فلا يتعرض لأية مخاطرة. [31]
فالإسلام يُعطي لكل نوعٍ من أنواع رأس المال لونًا مناسبًا من المكافأة (الربح) : يعطي رأس المال البشري (العمل) أجرًا ثابتًا أو مشاركة (شركة أعمال مثلًا) ، ويعطي رأس المال المثلي (الإقراضي) ربحًا بالمشاركة دون الأجر الثابت، ويعطي رأس المال القيمي (الإيجاري) أجرًا دون مشاركة، مثل أجر أدوات الإنتاج كالمحراث والآلات الزراعية ونحوها. كل ذلك بما يحفظ العدالة ويدفع إلى الإحسان. [32]
المبحث الثالث: ضعف التنمية الاقتصادية والاستثمار [33]
من مقاصد النظم المالية الإسلامية والمؤسسات المصرفية الإسلامية المساهمة في التنمية وتحقيقها، وتمويل المشروعات الإنتاجية بنظام المشاركة وفقًا لقاعدة الغنم بالغرم. فالصيغ الإسلامية - كالمضاربة الإسلامية، والمشاركات، والاستصناع والسلم، والمرابحات وغيرها - تتميّز بأنها تتفاعل مع السّلع لتولّد مجموعة من الأنشطة الاقتصادية التي توظّف أكبر عدد من عوامل الإنتاج ومنها عنصر العمل، وتساعد في علاج مشكلة البطالة والفقر وتحقيق الأمن الاقتصادي. [34]
ويرى علماء الاقتصاد أن النقود لا تلد نقودًا، بل لابد من تدويرها من حلبة النشاط الاقتصادي، ثم تنقلب إلى سلع وخدمات، وتتفاعل مع عوامل أخرى لتحقيق النمو والتطور. [35]
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)