والتواصي بالحق ضرورة . فالنهوض بالحق عسير . والمعوقات عن الحق كثيرة:هوى النفس , ومنطق المصلحة , وتصورات البيئة . وطغيان الطغاة , وظلم الظلمة , وجور الجائرين . .
والتواصي تذكير وتشجيع وإشعار بالقربى في الهدف والغاية , والأخوة في العبء والأمانة . فهو مضاعفة لمجموع الاتجاهات الفردية , إذ تتفاعل معا فتتضاعف . تتضاعف بإحساس كل حارس للحق أن معه غيره يوصيه ويشجعه ويقف معه ويحبه ولا يخذله . .
وهذا الدين - وهو الحق - لا يقوم إلا في حراسة جماعة متعاونة متواصية متكافلة متضامنة على هذا المثال .
والتواصي بالصبر كذلك ضرورة . فالقيام على الإيمان والعمل الصالح , وحراسة الحق والعدل , من أعسر ما يواجه الفرد والجماعة . ولا بد من الصبر . لا بد من الصبر على جهاد النفس , وجهاد الغير , والصبر على الأذى والمشقة . والصبر على تبجح الباطل وتنفج الشر . والصبر على طول الطريق وبطء المراحل , وانطماس المعالم , وبعد النهاية !
والتواصي بالصبر يضاعف المقدرة , بما يبعثه من إحساس بوحدة الهدف , ووحدة المتجه , وتساند الجميع , وتزودهم بالحب والعزم والإصرار . .
إلى آخر ما يثيره من معاني الجماعة التي لا تعيش حقيقة الإسلام إلا في جوها , ولا تبرز إلا من خلالها
وإلا فهو الخسران والضياع .
وننظر اليوم من خلال هذا الدستور الذي يرسمه القرآن لحياة الفئة الرابحة الناجية من الخسران , فيهولنا أن نرى الخسر يحيق بالبشرية في كل مكان على ظهر الأرض بلا استثناء . يهولنا هذا الضياع الذي تعانيه البشرية في الدنيا - قبل الآخرة - يهولنا أن نرى إعراض البشرية ذلك الإعراض البائس عن الخير الذي أفاضه الله عليها ; مع فقدان السلطة الخيرة المؤمنة القائمة على الحق في هذه الأرض .