8 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ عَقْدِ الذِّمَّةِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس , كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ لِلْمُرْتَدِّ . أَمَّا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفُوا: فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ: لَا يَجُوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ لِغَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس , بِدَلِيلِ قوله تعالى: { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } وَهَذَا عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ أَهْلُ الْكِتَابِ بِآيَةِ الْجِزْيَةِ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ , وَخُصَّ مِنْهُمْ الْمَجُوسُ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: { سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ . . . } فَمَنْ عَدَاهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ يَبْقَى عَلَى بَقِيَّةِ الْعُمُومِ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ , وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: يَجُوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ , إلَّا عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ ; لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ لِرَجَاءِ الْإِسْلَامِ عَنْ طَرِيقِ الْمُخَالَطَةِ بِالْمُسْلِمِينَ وَالْوُقُوفِ عَلَى مَحَاسِنِ الدِّينِ , وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ مَعَ مُشْرِكِي الْعَرَبِ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ , وَحَمَلُوا الرِّسَالَةَ , فَلَيْسَ لَهُمْ أَدْنَى شُبْهَةٍ فِي رَفْضِهِمْ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ , فَتَعَيَّنَ السَّيْفُ دَاعِيًا لَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ , وَلِهَذَا لَمْ يَقْبَلْ رَسُولُ اللَّهِ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ . وَفِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَجُوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ لِجَمِيعِ أَصْنَافِ الْكُفَّارِ , لَا فَرْقَ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَغَيْرِهِ , وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وَثَنِيٍّ عَرَبِيٍّ , وَوَثَنِيٍّ غَيْرِ