وهو ذو قلب وعقل وعواطف وجوارح , لا يسعد ولا يفلح ولا يرقى رقيا متزنا عادلا حتى تنمو فيه هذه القوى كلها نموا متناسبا لائقا بها , ويتغذى غذاء صالحا , ولا يمكن أن توجد المدنية الصالحة البتة إلا إذا ساد وسط ديني خلقي عقلي جسدي يمكن فيه للإنسان بسهولة أن يبلغ كماله الإنساني . وقد أثبتت التجربة أنه لا يكون ذلك إلا إذا مكنت قيادة الحياة وإدارة دفة المدنية بين الذين يؤمنون بالروح والمادة , ويكونون أمثلة كاملة في الحياة الدينية والخلقية , وأصحاب عقول سليمة راجحة , وعلوم صحيحة نافعة". . ."
إلى أن يقول تحت عنوان:"دور الخلافة الراشدة مثل المدنية الصالحة": (1)
"وكذلك كان , فلم نعرف دورا من أدوار التاريخ أكمل وأجمل وأزهر في جميع هذه النواحي من هذا الدور - دور الخلافة الراشدة - فقد تعاونت فيه قوة الروح والأخلاق والدين والعلم والأدوات المادية في تنشئة الإنسان الكامل . وفي ظهور المدنية الصالحة . . كانت حكومة من أكبر حكومات العالم , وقوة سياسية مادية تفوق كل قوة في عصرها , تسود فيها المثل الخلقية العليا , وتحكم معايير الأخلاق الفاضلة في حياة الناس ونظام الحكم , وتزدهر فيها الأخلاق والفضيلة مع التجارة والصناعة , ويساير الرقي الخلقي والروحي اتساع الفتوح واحتفال الحضارة , فتقل الجنايات , وتندر الجرائم بالنسبة إلى مساحة المملكة وعدد سكانها ورغم دواعيها وأسبابها , وتحسن علاقة الفرد بالفرد , و الفرد بالجماعة , وعلاقة الجماعة بالفرد . وهو دور كمالي لم يحلم الإنسان بأرقى منه , ولم يفترض المفترضون أزهى منه . .".
هذه بعض ملامح تلك الحقبة السعيدة التي عاشتها البشرية في ظل الدستور الإسلامي الذي تضع"سورة العصر"قواعده , وتحت تلك الراية الإيمانية التي تحملها جماعة الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر .
(1) - ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين - (ج 1 / ص 118)