صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا , وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ . وَتَدُلُّ سِيرَةُ الْخُلَفَاءِ وَالْأُمَرَاءِ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْعَثُونَ الْجُبَاةَ فِي آخِرِ الْعَامِ لِجِبَايَةِ الْجِزْيَةِ . فَبَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَبَا هُرَيْرَةَ إلَى الْبَحْرَيْنِ , فَقَدِمَ بِمَالٍ كَثِيرٍ . وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ حَقٌّ مَالِيٌّ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْحَوْلِ , فَوَجَبَ بِآخِرِهِ كَالزَّكَاةِ . وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ جَزَاءً عَلَى تَأْمِينِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ , فَلَا تَجُوزُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَحَقَّقَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي طُولِ السَّنَةِ . وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ سُكْنَى الدَّارِ فَوَجَبَ أَنْ تُؤْخَذَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ , فَتَجِبُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا كَالصَّلَاةِ , وَلِلْإِمَامِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } . فَجَعَلَ إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ غَايَةً لِرَفْعِ الْقِتَالِ عَنْهُمْ ; لِأَنَّ غَايَةَ هَذَا حَقِيقَةُ اللَّفْظِ , وَالْمَفْهُومُ مِنْ ظَاهِرِهِ , أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ: { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } وَقَدْ حَظَرَ إبَاحَةَ قُرْبِهِنَّ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ طُهْرِهِنَّ , وَكَذَلِكَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ لَا تُعْطِ