75 -إذَا تَرَهَّبَ الذِّمِّيُّ بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ , فَانْعَزَلَ عَنْ النَّاسِ وَانْقَطَعَ لِلْعِبَادَةِ فِي الْأَدْيِرَةِ وَالصَّوَامِعِ , فَهَلْ تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ بِالتَّرَهُّبِ , لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً فَأَشْبَهَ الْعَجْزَ وَالْجُنُونَ , فَتَسْقُطُ عَنْهُ مُطْلَقًا وَلَوْ مُتَجَمِّدَةً عَنْ سِنِينَ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْأَخَوَانِ ( مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ ) مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تَسْقُطُ بِالتَّرَهُّبِ الطَّارِئِ ; لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً , فَلَا يُعْتَبَرُ عُذْرًا لِإِسْقَاطِ الْجِزْيَةِ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ . وَعَلَّلَهُ الْأَخَوَانِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّهُ قَدْ يَتَّخِذُهُ وَسِيلَةً لِلتَّهَرُّبِ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ , فَلَا تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ بِهِ . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ التَّرَهُّبَ الطَّارِئَ لَا يُسْقِطُ الْجِزْيَةَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْلِ , وَتُصْبِحُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ . أَمَّا إذَا تَرَهَّبَ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ ; لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ وَلَا تُؤْخَذُ قَبْلَ كَمَالِ الْحَوْلِ . وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِالرَّاهِبِ الَّذِي تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ , هُوَ مَنْ لَا يَبْقَى بِيَدِهِ مَالٌ إلَّا بُلْغَتَهُ فَقَطْ وَيُؤْخَذُ مِمَّا بِيَدِهِ زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ , وَأَمَّا الرُّهْبَانُ الَّذِينَ يُخَالِطُونَ النَّاسَ وَيَتَّخِذُونَ الْمَتَاجِرَ وَالْمَزَارِعَ فَحُكْمُهُمْ كَسَائِرِ النَّصَارَى تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ اتِّفَاقًا .