وإذا كان الانطلاق لمجاهدة المشركين قد اقتضى كل هذه الحملة - وأمرهم ظاهر - نظرًا لتلك الملابسات التي كانت قائمة في التكوين العضوي للمجتمع المسلم في تلك الفترة . . فقد كان الانطلاق لمجاهدة أهل الكتاب في حاجة إلى حملة أشد وأعمق . تستهدف - أول ما تستهدف - تعرية أهل الكتاب هؤلاء من تلك"اللافتة"الشكلية التي لم تعد وراءها حقيقة ; وتظهرهم على حقيقتهم الواقعية . . مشركين كالمشركين . . كفارًا كالكفار . . محاربين للّه ولدينه الحق كأمثالهم من المشركين الكافرين . . ضلالًا يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل اللّه . .
في مثل هذه النصوص القاطعة الصريحة:
"قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر , ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله , ولا يدينون دين الحق من الذين أتوا الكتاب , حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون . وقالت اليهود:عزير ابن اللّه , وقالت النصارى:المسيح ابن اللّه . ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل . قاتلهم اللّه ! أنى يؤفكون ? اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللّه والمسيح ابن مريم , وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو , سبحانه عما يشركون . يريدون أن يطفئوا نور اللّه بأفواههم ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره . ولو كره الكافرون . هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله , ولو كره المشركون . ."
يا أيها الذين آمنوا إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل اللّه . . . الخ". ."
وذلك بالإضافة إلى التقريرات القرآنية الحاسمة - في السور المكية والمدنية على السواء - عن حقيقة ما انتهى إليه أمر أهل الكتاب من الشرك والكفر والخروج من دين اللّه الذي جاءهم به أنبياؤهم من قبل ; فضلًا على وقفتهم من رسالة اللّه الأخيرة , التي على أساس موقفهم منها يتحدد وصفهم بالكفر أو بالإيمان .