وعلى هذا فإن سرق المستأمن من مستأمن آخر مالا لا يقام عليه الحد لعدم التزام أيٍّ منهما أحكام الإسلام , وأمّا إن سرق من مسلم أو ذمّيٍّ ففي إقامة الحدّ عليه أقوال مختلفة ينظر في مصطلح ( سرقة ف / 12 ) .
فإن سرق المسلم مال المستأمن فلا يحد عند الحنفيّة - عدا زفر - والشّافعيّة , لأن في ماله شبهة الإباحة .
وذهب المالكيّة والحنابلة وزفر من الحنفيّة إلى أنه يقام عليه الحد لأن مال المستأمن معصوم . والتّفصيل في مصطلح ( سرقة ف / 25 ) .
النّظر في قضايا المستأمنين:
48 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّه لو ترافع إلينا مسلم ومستأمن برضاهما , أو رضا أحدهما في نكاح أو غيره وجب الحكم بينهما بشرعنا , طالبًا كان المسلم أو مطلوبًا , واستدلّ لذلك الشّافعيّة والحنابلة بقولهم: لأنّه يجب رفع الظلم عن المسلم , والمسلم لا يمكن رفعه إلى حاكم أهل الذّمّة , ولا يمكن تركهما متنازعين , فرددنا من مع المسلم إلى حاكم المسلمين لأنّ الإسلام يعلو ولا يعلى عليه , ولأنّ في ترك الإجابة إليه تضييعًا للحقّ . واختلفوا فيما إذا كان طرفا الدّعوى غير مسلمين فذهب المالكيّة والحنابلة , والشّافعيّة إلى أنّه إن تحاكم إلينا مستأمنان , أو استعدى بعضهم على بعض خيّر الحاكم بين الحكم وتركه , واستدلوا بقوله تعالى: { فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } .
وقال مالك: وترك ذلك أحب إلى , وقيّده الشّافعيّة بأن تتّفق ملّتاهما كنصرانيّين مثلًا , ويشترط عند الحنابلة اتّفاقهما , فإن أبى أحدهما , لم يحكم لعدم التزامهما حكمنا , وروي التّخيير عن النّخعيّ , والشّعبيّ والحسن وإبراهيم .
وإذا حكم فلا يحكم إلّا بحكم الإسلام , لقوله تعالى: { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } . وإن لم يتحاكموا إلينا ليس للحاكم أن يتّبع شيئًا من أمورهم ولا يدعوهم إلى حكمنا , لظاهر الآية: { فَإِن جَآؤُوكَ } .