وبالله، كيف تتم هذه الأسوة؟ وكيف يقتدي الناس بها إنْ كان الرسول مَلَكًا؟
فالرسول عندما يُبلِّغ منهج الله عليه أنْ يُطبّق هذا المنهج في نفسه أولًا، فلا يأمرهم أمرًا، وهو عنه بِنَجْوَة، بل هو إمامهم في القول والعمل.
لذلك فالحاكم الحق الناصح يُطبّق القانون عليه أولًا، فكان سيدنا عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه إذا أراد أن يُقنّن قانونًا ويرى أنه سيتعب بعض الظالمين والمنحرفين فيجمع أهله ويخبرهم بما أراد، ثم يُحذّرهم من المخالفة: «فو الذي نفسي بيده، مَنْ خالفني منكم إلى شيء لأجعلنّه نكَالًا للمسلمين، وأنا أول مَنْ أُطبِّقه على نفسي» .
لذلك حكم عمر الفاروق الدنيا كلها في عصره، ولما رآه الرجل نائمًا مطمئنًا تحت شجرة قال قولته المشهورة: «حكمتَ، فعدلْتَ، فأمنت، فنمْتَ يا عمر» وعمر ما حكم الدنيا والبشر، بل حكم نفسه أولًا فحُكمت له الدنيا؛ لأن الحاكم هو مركز الدائرة، وحَواليْه دوائر أخرى صغيرة تراه وتقتدي به، فإنْ رأوه مستقيمًا استقاموا، ولم يجرؤ أحد منهم على المخالفة، وإنْ رأوْه منحرفًا فاقوه في المخالفة، وأفسدوا أضعاف ما يُفسد.
لذلك، لا يمكن أبدًا لحاكم أن يحكم إلا إذا حكم نفسه أولًا، بعدها تنقاد له رعيته ويكونون طوعًا لأمره دون جهد منه أو تعب.
ولقد رأينا في واقعنا بعض الحكام الذين فهموا الأُسْوة على حقيقتها، فترى الواحد من رعيته يركب أفخم السيارات، ويسكن