بعد أنْ تحدَّث الحق سبحانه عن الكفار والمكذَّبين أراد أنْ يُحدِث توازنًا في السياق، فحدَّثنا هنا عن المؤمنين ليكون أنكَى للكافرين، حين تردف الحديث عنهم، وعما يقع لهم من العذاب بما سينال المؤمنين من النعيم، فتكون لهم حسرة شديدة، فلو لم يأخذ المؤمنون هذا النعيم لكانَ الأمر أهونَ عليهم.
وقوله تعالى: {ياعبادي ... } [العنكبوت: 56] سبق أن قُلْنا: إن الخَلْق جميعًا عبيد الله، وعبيد الله قسمان: مؤمن وكافر، وكل منهما جعله الله مختارًا: المؤمن وعبيد الله قسمان: مؤمن وكافر، وكل منهما جعله الله مختارًا: المؤمن تنازل عن اختياره لاختيار ربه، وفضَّل مراده سبحانه على مراد نفسه، فصار عبدًا في كل شيء حتى في الاختيار، فلما فعلوا ذلك استحقوا أن يكونوا عبيدًا وعبادًا لله.
أما الكافر فتأبَّى على مراد ربه، واختار الكفر على الإيمان، والمعصية على الطاعة، ونسي أنه عبد الله مقهور في أشياء لا يستطيع أن يختار فيها، وكأن الله يقول له: أنت أيها الكافر تمردْتَ على ربك، وتأبَّيْتَ على منهجه في (افعل) و (لا تفعل) ، واعتدْتَ التمرد على الله. فلماذا لا تتمرد عليه فيما يُجريه عليك من أقدار، لماذا لا تتأبَّى على المرض أو على الموت؟ إذن: فأنت في قبضة ربك لا تستطيع الانفلات منها.
وعليه، فالمؤمن والكافر سواء في العبودية لله، لكن الفرْق في العبادية حيث جاء المؤمن مختارًا راضيًا بمراد الله، وفَرْق بين عبد يُطيعك وأنت تجرُّه في سلسلة، وعبد يخدمك وهو طليق حُرٌّ. وهكذا المؤمن جاء إلى الإيمان بالله مختارًا مع إمكانية أنْ يكفر، وهذه هي العبودية والعبادية معًا.
ومعنى {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ ... } [العنكبوت: 56] يخاطبهم ربهم هذا