هذه الآية تدل على أنهم افترقوا فرقتين؛ لأن الحق سبحانه مادام قد قال: {مِنْهُمْ} فهذا يعني أن بعضهم قالوا وفعلوا المطلوب، وبعضهم ظلموا وبدلوا القول، فقد أمرهم الحق أن يقولوا: «حطة» وطلب منهم أن يدخلوا سجدًا. والتغيير منهم جاء في القول؛ لأن القول قد يكون بين الإِنسان وبين نفسه بحيث لا يسمعه سواه. لكن الفعل مرئي مما يدل على أن بعضهم يرائي بعضًا، ففي القول أرادوا أن يهذروا ويتكلموا بما لا ينبغي ولا يليق، فبدلًا من أن يقولوا: «حطة» قالوا: «حنطة» استهزاءً بالكلمة.
وهكذا نرى أن التبديل جاء في القول، لكن الفعل لم يأت فيه كلام، وإن قال بعضهم: إن التبديل أيضًا حدث من بعضهم في الفعل. فبدلًا من أن يدخلوا ساجدين دخلوا زاحفين على مقعداتهم، كنوع من التعالي، لكن الحق لم يذكر شيئًا من ذلك؛ لأن سلوكهم في الفعل قد يكون السبب فيه أن بعضهم لا قدرة له على الفعل. {فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ ... } [الأعراف: 162]
وكأن الحق يذكرنا بما فعله معهم من رعايتهم في أثناء التيه وكيف ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، واستسقى لهم موسى فجاءت المياه. لكن غريزة التبديل والتمرد لم تغادرهم. وما داموا قد بدَّلوا في كلمات الله، فعليهم أن ينالوا العقاب: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السمآء} .
وهناك آية ثانية في سورة البقرة يقول فيها الحق: {فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السمآء} [البقرة: 59] . والفارق بين «الإِنزال» وبين «الإِرسال» أن الإِنزال يكون مرة واحدة. أما الإِرسال فهو مسترسل ومتواصل. ولذلك يقول الحق سبحانه في