بعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى في استهلال سورة مريم عن ميلاد سيدنا يحيى لزكريا، وعن ميلاد سيدنا المسيح بن مريم، أراد أن يعرض لنا موكبًا من مواكب الرسالات التي أرسلها الله نورًا من السماء لهداية الأرض، فقال:
{واذكر فِي الكتاب إِبْرَاهِيمَ} [مريم: 41] .
فهو أبو الأنبياء وقمتهم؛ لأن الله تعالى مدحه بقوله:
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120] .
فليس هناك فرد يحتوي على خصال الكمال ومواهب الفضل كلها، لكن المجموع يحتويها فهذا شجاع قوي البنية، وهذا ذكي، وهذا حادّ البصر، وهذا نابغ في الطب، وهذا في الزراعة، مواهب متفرقة بين البشر، لا يجمعها واحد منه، فلا طاقته ولا حياته ولا مجهوده يستطيع أن يكون موهوبًا في كل شيء، فالكمال كله مُوزّع في الخَلْق، إلا إبراهيم، فقد كان عليه السلام يساوي في مواهبه أمةً بأكملها.
وقوله: {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا} [مريم: 41] صِدّيق: من مادة صدق، ومعناها: تكلّم بواقع؛ لأن الكذب أنْ يتكلّم بغير واقع. وهذا يُسمَّى: صادق في ذاته، أما قولنا: صِدِّيق أي: مبالغة في الصدق،