الحق - تبارك وتعالى - يردُّ على اعتراضهم على بشرية الرسول وطلبهم أن يكون الرسول ملكًا، كما قالوا في موضع آخر: {أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا ... } [التغابن: 6] .
يعني: هم مثلنا، وليسوا أفضل منَّا، فكيف يهدوننا؟ وهل الرسول يهديكم ببشريته؟ أم بشيء جاءه من أعلى؟ هل منهجه من عنده؟
الرسول ليس مُصلِحًا اجتماعيًا، إنما هو مُبلِّغ عن الله ربي وربكم. وقد سبقت السوابق فيمَنْ قبلكم أن يكون الرسول بشرًا {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نوحي إِلَيْهِمْ ... } [الأنبياء: 7] ولو أرسلنا إليهم مِلَكًَا لجاءكم الرسول مَلَكًا. {فاسئلوا أَهْلَ الذكر إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] وهم اليهود والنصارى، ماذا أرسلنا إليهم أرجالًا أم ملائكة؟
ذلك لأن المفروض في النبي أن يكون قدوة لقومه وأُسْوة، مُبلِّغَ منهج، وأُسْوةَ سلوك، منهج يحققه عن الله، ثم يُطبِّقه على نفسه، فهو لا يحمل الناس على أمر هو عنه بنَجْوة، إنما هو أُسْوتهم وقُدْوتهم، وشرط أساسي في القدوة أنْ يتحد فيها الجنس: المتأسِّي مع المتأسِّي به.
فلو رأيت مثلًا في الغابة أسدًا يصول ويجول ويفترس، هل تفكر في يوم ما أن تكون أسدًا؟ هل تأخذ الأسد لك أُسْوة؟ لا، لأنه يُشترط في أُسْوتك أن يكون من جنسك، فإذا رأيتَ فارسًا على جواده يصول ويجول ويضرب في الأعداد يمينًا وشمالًا، لا شكَّ أنك تود أن تكون مثله.