فهرس الكتاب

الصفحة 2158 من 14758

هذه الآية هي ختام سورة آل عمران. وسورة آل عمران جاءت بعد سورة البقرة. والسورتان تشتركان معًا في قضية عقدية أولى، وهي الإيمان بالله والتصديق بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وبما جاء به من عند الله خاتما للرسالات ومهيمنًا عليها. ولذلك تكلم الحق عن قضية الإيمان وقضية الهدى وقضية الكتاب، ثم تعرض الحق لرواسب ديانات سابقة تحولت عن منهج الله إلى أهواء البشر، فجادل في سورة البقرة اليهود، وجادل في سورة آل عمران النصارى.

وبعد ذلك عرض قضية إيمانية تتعلق بموقف المسلمين المؤمنين بالله وبتصديق رسوله في معترك الحياة، وعرض معركة من المعارك ابتلى فيها المؤمنون ابتلاءً شديدًا، ثم عرض للقضية الإيمانية حين يثوب المؤمن المتخاذل إلى منهج ربه. وبعد أن ينتهي من هذه، يقول الحق: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ} أي ما من آمنتم بما تقدم إيمانًا بالله، وتصديقًا بكتابه، وتصديقًا برسالته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وتمحيصًا للحق مع اليهود، وتمحيصًا للحق مع أهل الكتاب جميعًا، تمحيصًا لا جدليًا نظريًا، ولكن واقعيا في معركة من أهم معارك الإسلام وهي معركة أحد، فيا من آمنتم بالله إيمانا صادقا صافيا، استمعوا إليّ يا من آمنتم بي «اصبروا» وهذا أمر، و «وَصَابِرُواْ» أمر ثان، و «رَابِطُواْ» أمر ثالث، و «واتقوا الله» أمر رابع.

إنها رابعة أوامر، والغاية من هذه الأوامر هي {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} إذن فمن عشق الفلاح فعليه أن ينفذ هذه الأربعة: اصبر، صابر، رابط، اتق الله، لعلك تفلح.

والحق سبحانه وتعالى حين يعبر عن الفلاح إنما يعبر بأمر مشهود مُحس للناس جميعًا، لم يقل لك: افعل ذلك لتنجح أو لتفوز. إنما جاء بكلمة «الفلاح» . و «الفلاح» كما قلنا: مأخوذ من فلح الأرض. وفلح الأرض هو شقها لتتعرض للهواء، ولتكون سهلة هينة تحت الجذير البسيط الخارج من البذرة، فإذا فلحت الأرض بهذه المشقة حرثًا وبذرًا وتعهدًا بالري ماذا يحدث لك من الأرض؟ إنها تؤتيك خيرًا ماديًا مشهودًا ملحوظا.

إذن فقد ضرب الله المثل في المعنويات بالأمر المحُس الذي يباشره الناس جميعا، وأي فَلاَح هذا الذي يقصده الحق سبحانه وتعالى؟ إنه فلاح الدنيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت